أثمنة الفحم تثقل كاهل أسر قهرها الصقيع رفع انخفاض درجة الحرارة بشكل غير مسبوق ، مؤشرات البحث المضني عن الدفء في ليال باردة خفضت أسهم إنسانية أشخاص موتى في حياتهم، يعيشون في كهوف موحشة بمنطقة البهاليل البعيدة بخمسة كيلومترات عن صفرو، في انتظار أن ترأف أفئدة المسؤولين إلى حالهم المدمي للجوارح قبل العيون. أطفال بأنوف "سائلة"، مدفونون في قلب التراب المبلل، وعجزة تآكلت أجسادهم متآلفة مع برد قارس نهش العظم قبل الجلد، ونساء يبحثن في أشعة الشمس، عن دفء مفقود ب"زنازين" يهربن منها نهارا، قبل جحيم ليل وحدهن تدرين مرارة مبيتهن بها في غياب نار تأججت بأفئدتهن دون فضاء محتاج إلى التدفئة والحميمية. حميد الأبيض (فاس) – تصوير: (أحمد العلوي المراني) كل شروط الحياة الكريمة، منعدمة بكهوف يمكن أن تتحول إلى مصدر دفء لجيوب مثقوبة ملت الانتظار، سيما بتحويلها لمزارات سياحية عوض أن تبقى قبورا تدفن أمل قاطنيها في مستقبل واعد يمحو فقرهم وضياعهم، ويدفئ "حياتهم" بمداخيل تدفئ الجيب والجسد، وتلغي معاناة البرد والصقيع وتناسي المسؤولين. دفء مفقود البحث عن الدفء مسعى الكل في أيام باردة انخفضت فيها درجة الحرارة بشكل كبير، سيما في كهوف مدفون فيها مئات البشر أحياء تحت الأرض بمنطقتي البهاليل وإيموزار كندر بصفرو، إذ للبرد طعم أمر يجهض ميلاد أمل في حياة كريمة تصان فيها كرامة فقراء قهرهم الصقيع و"الحكرة" وواقع التهميش وغياب البنيات اللازمة. كل يبحث بوسائله وإمكانياته الخاصة، عن حيل ناجعة لطرد برد قارس زاد ضراوة بداية الأسبوع الجاري، بعيدا عن أفئدة وأعين مسؤولين غافلين مفروض أن ينظروا بعين الرحمة لواقع أشخاص موتى في حياتهم، تاركينهم يواجهون مصائرهم بأنفسهم بكهوف قد تتحول لقبور مفتوحة لقاطنيها متذوقي مرارة الفقر والصقيع. "التشميسة" قرب المباني المتداعية، حيلة نسائهم نهارا لتدفئة أجسامهن الشائخة من شدة المعاناة، لما يدب الرجال في الحقول بحثا عن لقمة عيش تزداد مرارتها في كهوف باردة غارقة في رطوبتها وطينها المبلل الحاضن أسرة وطيئة تحشر فيها أجساد الصغار والكبار ليلا، في غياب وسائل التدفئة اللازمة لإنعاشها في شتاء بارد. قلة منهم تتوفر لهم إمكانيات توفير وسائل التدفئة الكهربائية أو الخشبية، غالية الثمن، فيما يبقى النوم جماعة حيلة أسهل لتوفير دفء أكبر باحتكاك أجساد أنهكها شظف العيش وواقع القهر و"الحكرة" والحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة، ممن ينطبق عليهم قول الأسلاف "اللي بغا السخونية يديرها من جنبو". ومنهم من ابتكر حيلة أنجع وأقل كلفة مادية، في بحثهم عن دفء مفقود في أيام باردة، بملء قارورات بلاستيكية بالماء الدافئ ودسها بين الأغطية بشكل يضاعف إمكانية تدفئة الجسد، لكن لمدة محدودة تنتهي بانخفاض درجة حرارة الماء، لتذوب الأجساد المتلاصقة في بعضها في انتظار انبلاج إشراقة شمس صباح يوم جديد. "تسميرة" وحرير من محطة وقوف سيارات الأجرة بزنقة مطماطة، بدأت رحلة بحث مضنية عن وسائل دفء بكهوف حي الخندق المكنى تيمنا ب"خندق" يفصل طرفيه عن بعضهما، قرب "العين الكبيرة" متنفس أبناء المنطقة ونسائها ممن اصطفت بعضهن قرب الصهريج لغسل ملابس وأفرشة في يوم مشمس بدرجة حرارة أقل من الأيام العادية. "يمارة الدار على باب الدار". مثل ينطبق على الممر العابر للموقع قرب الجامع الأعظم المرمم أخيرا، وكلما زاد الزائر توغلا في اتجاه "مسارب" مؤدية إلى كهوف مسكونة أو مهجورة، تبدو متناثرة بين الدور السكنية العتيقة المتداعية بدورها، في انتظار التفاتة رسمية إليها وإلى قاطنيها ممن أضناهم انتظار الرأفة إلى حالهم المزري. قرب كل كهف، وحيث توجد أشعة شمس متسللة من تحت سحب متباعدة، تجمعت نساء بأعداد متفاوتة، بحثا عن دفء طبيعي في "تشميسة" يحولنها مجمع "حديث ومغزل" يدفئن فيه أجسادهن "الباردة" ويبحثن بين صناعة الأزرار الحريرية (العقاد) المشهورة بها المنطقة وصفرو، عن مدخول منعش لجيوبهن رغم هزالته. مثل هذه التجمعات النسائية "المنظمة" الباحثة عن الدفء في أشعة الشمس والمنقبة عن الدخل بين أزرار الحرير، موجودة في كل زنقة ودرب بهذه المدينة المشهورة بكهوفها التي يفوق عددها 130 كهفا نحو 60 منها مقطونة من قبل أسر فقيرة لا بديل لها عن السكن فيها في ظروف لاإنسانية تزداد قساوة مع البرد القارس. مساءلتهن عن الدفء في ليالي البهاليل الباردة، أضحك بعضهن وأغضب أخريات فهمن السؤال خطأ. وأكدن أن غالبية نساء المدينة، يغادرن مساكنهن نهارا بحثا عن دفء "التسميرة"، مجمعات على اعتمادهن وسائل تقليدية للتدفئة ليلا سيما بكهوف موحشة يزيدها التبلل والرطوبة، برودة بشكل يحول المبيت فيها، إلى جحيم. "البرد بزاف" تتراءى عدة كهوف متراصة يمينا وشمالا، كلما توغل الزائر صعودا إلى الأعلى، إلى أن يدلف يسارا إلى كهف الماء، إذ بدت 3 منها في وضع لا يشجع على السكن، بعدما هجرها قاطنوها لظروف اجتماعية، دون امرأة مسنة توسلت في الزوار الغرباء، أملا في وساطتهم لتخفيف عبء حياة أرقتها مرارتها. لا أثر لوسائل التدفئة فيها، كما كهف مجاور أكثر "تنظيما وتأثيثا وتجهيزا بالأفرشة والأواني" ومربوط بالتيار الكهربائي، جلست فيه طفلتان إحداهما كانت تستعد لمغادرته في اتجاه المدرسة. اكتفتا بهز الرأس نفيا، ردا على أسئلة لامست معاناتهما مع البرد القارس في غياب الحطب والفحم وكل وسائل التدفئة الكهربائية والغازية. "البرد بزاف فالليل" عبارة تسللت بصعوبة من بين شفتي أكبرهما سنا التلميذة بالقسم السادس بمدرسة مولاي رشيد، قبل أن تضيف جارتها المسنة "الله يرحمنا وصافي" رغم أن المطر يزيد من معاناتها بكهف يغمر بالماء شتاء بعد سقوط سقفه وتبلل جنباته، عكس ما بدت عليه كهوف أخرى بدت مداخلها مزينة بالزليج. ومن بابه المزركش أطلت امرأة خمسينية تحفظت على تصويرها، دون كشف معاناتها مع "أصميد" الغول المؤرق لها ولغيرها من نساء المدينة، في غياب أي التفاتة مسؤولين "كيعرفونا غير فالانتخابات"، مؤكدة أن لا أثر للتدفئة باستعمال آلات كهربائية، للظروف الاجتماعية للأسر القاطنة بالكهوف وغلاء فواتير استهلاك المادة. وعكس ذلك افتخرت امرأة مسنة بتجهيز كهفها "السياحي" الموروث عن والدتها المتوفاة، والمعروض للبيع قرب جامع أغزديس المنتظر إعادة ترميمه وبنائه، بمثل تلك الآلات، إذ بدا مؤثثا بشكل مغر بالتفقد، كما كهوف أخرى تحولت إلى مزارات ومآو سياحية أقل خطورة ودفئا من تلك الغارقة في برودتها وهامشيتها. دفء العيش أمام كهف وضيع وقف طفل رث الثياب، باكيا بحرقة حظه العثر مع صقيع يزداد ضراوة ليلا وحول أنفه إلى "مجرى" كما أطفال آخرون ينقصهم اللباس اللازم لدرء برد يقرس أجسامهم الصغيرة وسط مبان فاقدة لوسائل تدفئها قبل دفء العيش، في مشاهد تدمي قلوب من يعاينها في مواجهة يومية شرسة مع برد لا يرحم. صور سيلان أنف الصغار وبساطة لباسهم، تكررت في كل المواقع، دليلا على حجم ندوب حفرها الصقيع في أجسادهم، بمن فيهم تلاميذ خرجوا لتوهم من مدرسة عند مدخل زنقة عنقودة، حيث تحمست امرأة مسنة لتصويرها بمدخل كهفها المعتمدة على "المجمر" وسيلة لتدفئة أركانه قرب عدة منازل غالبيتها ل"البيع". حال هذه المرأة الثمانينية المتفائلة بدعم رسمي، يختصره لباسها وتجهيز "مسكنها" كما نساء أخريات ممن حكمت عليهن ظروفهن بالسكن "تحت الأرض"، وتأسف الجمعوي عبد العزيز العباسي، لقساوة الفقر والبرد عليهن محولة حياتهن إلى جحيم لا يطاق، مستغربا عدم تحرك المجتمع المدني لمساعدتهن بكل الوسائل. ويؤكد أن غالبية سكان الكهوف، أرامل ومطلقات ونساء بدون معيل، بحاجة إلى التفاتة، خاصة أن "الخبز الحافي" والشاب، وجبة دائمة لغالبيتهن ممن يحتجن إلى عيون عاطفة تنظر إلى حالهن المزري الذي يعشنه بمره وحلوه، دون أن يمنعهن من إبداع وسائل تدفئتهن سيما ب"القرعة الساخنة" الوسيلة الأنجع والأقل كلفة. وذاك ما أفصحت عنه نساء متجمعات بزنقة المصلى، قهقهن لغرابة سؤال وسيلتهن للدفء، إحداهن عنفت طفلا مازحها في انتمائها الأمازيغي، على بعد أمتار قليلة من كهف حوله مالكه عبد اللطيف العبدلاوي، ابن بوعادل بتاونات، إلى ورشة حاضنة لنفائس تاريخية، وملتقى لشباب الحي، حول موقد نار تتجدد كل مساء. ضحايا أمراض الروماتيزم تحدث محمد الحديدي، أستاذ متقاعد، عن أمراض انتشرت بشكل واسع في صفوف قاطني الكهوف التي تكونت تاريخيا في حزام مكون من صخرة "ترافيلتين"، يمتد من كهف بورمانة قرب المسجد الأعظم إلى كهوف ديفاسور، مؤكدا أن الحزام من مخلفات وادي أكاي الذي كان يصب في البهاليل قبل امتداده إلى صفرو. وأوضح أن نسبة مهمة منهم مصابون بأمراض الروماتيزم وضيق التنفس والكبد والسكري، مشيرا إلى أن أخطر مرض يصابون به، هو "الزحمة" الناتج عن بكتيريات وميكروبات وجراثيم ناجمة عن استعمال المياه الملوثة، مشيرا إلى أن خطورته أكبر من مرض "البواسير" وتتجلى في تقيح الدبر بشكل قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه. وأكد أن ظروف السكن في تلك الكهوف التي يعود الفضل في تكونها إلى وادي أكاي، غير لائقة سيما تلك التي غيرت معالمها بإضافة غرف إلى الطابق العلوي بشكل محا ما يعرف ب"أعريش" فوق الكهف الذي يحتوي مبناه على "كاف" مقسم إلى عدة غرف صغيرة، وبرأسه "مطمورة" لتخزين الحبوب التي تدخل إليها من الجانب. وأوضح أن تلك التعديلات وبناء منازل فوقية بالطوب والجير والتبن والأعمدة، ساهمت في حجب الشمس عن الكهوف، ما أقبر شروطا صحية مختلفة، توفرت في تواريخ مختلفة كانت فيها الكهوف مخبأ ومخزنا للمارين ضمن القوافل التجارية عبر البهاليل انطلاقا من مكناسة إلى سجلماسة سيما في عهد المولى إسماعيل. وأورد خرافة ارتبطت بنشوء الكهوف بالبهاليل واحدة من 5 مناطق بالاسم نفسه بالمغرب سيما ببنكرير والعيون الشرقية، لما تكون قرب عين "زواوة" وما ارتبط من إجبار على ذبح تيس رضع حليب امرأة، من قبل أتباع السلطان الأكحل أبو عنان المريني، قبل ذبح مناصريه تباعا ردا على ذبح جدي مقدس. مآل بدل قبور يقول عبد العزيز بوهدون، رئيس المكتب الإقليمي للمركز المغربي لحقوق الإنسان بصفرو، إن كهوف مدينة البهاليل المنبسطة على 1050 هكتارا، تشكل مأوى للأسر التي تعاني ظروفا اجتماعية تزداد سوءا في فصل الشتاء بفعل انتشار موجة البرد، في غياب أي التفاتة رسمية أو جمعوية تخفف معاناتهم وآلامهم اليومية. وأشار إلى أن وزارة الإسكان سبق لها إعداد برنامجا للقضاء على هذه الكهوف التي كانت بمثابة مساكن ومخابئ للفدائيين وملاجئ للمقاومين في مرحلة الاستعمار، متعهدة بإطلاق برنامج لتحسين وضعية وظروف السكان، متأسفا لعدم تفعيل هذا البرنامج أو إطلاق برنامج بديل يستغل تلك المنشآت في الاستقطاب السياحي. وطالب الجهات المسؤولة مركزيا بالعناية بهم سيما أن غالبية الشباب عاطل بدون مورد للعيش بمدينة صغيرة عديمة المرافق الثقافية والرياضية والاقتصادية، مؤكدا أن هذه الكهوف يمكن أن تتحول إلى نعمة على قاطنيها، بتحويلها إلى مزارات سياحية على غرار بعضها المجهز بشكل يستقبل مئات السياح في زيارات خاصة. وأوضح أن الكهوف المنتشرة في البهاليل المدينة الجميلة الصغيرة التي يقطنها نحو 25 ألف نسمة، يمكن أن تساهم في رفع جزء من التهميش، بتحويلها إلى مآو مجهزة بدعم من الدولة، عوض أن تبقى قبورا مفتوحة لقاطنيها من الأسر المعوزة التي تعيش وضعية صعبة أو لإيواء الحيوانات أو يستعملونها لمخزونهم الفلاحي. وأبرز أن تلك الكهوف يمكن أن تثري مداخيل مالكيها بتجهيزها وفتحها في وجه السياح والتنسيق مع وكالات الأسفار لتنظيم رحلات خاصة إلى المدينة التي أصبحت في الآونة الأخيرة، مزارا سياحيا يقصده آلاف السياح ممن يعشقونها ونسجوا علاقات خاصة مع سكانها الذين يمتازون بكرمهم الحاتمي واحتضانهم للزوار. ثمن الفحم يزيد المعاناة طوال جولة استطلاعية بكهوف البهاليل البعيدة ب26 كيلومترا عن فاس، لا أثر للحطب إلا قرب حمام وفرن تراكمت قربهما أكوام منه، طالما أنه عملة نادرة باهظة الثمن بالنسبة لأسر غالبية أربابها مياومون في حقول فلاحية أجهض الجفاف أملها في الإنتاج في انتظار قطرات غيث رحمة من السماء تنعش الأرض والشجر والعباد. لذلك بدا غريبا مصادفة بائع متجول للفحم الخشبي، حل بالمدينة بحثا عن زبناء لأكياس المادة الأربعة المحملة على ظهر حمار منهوك القوى من شدة المشي على مسافة فاقت 12 كيلومترا بين إيموزار والبهاليل، أملا في كسب حلال يتدبر به أمور أسرته المكونة من 6 أفراد تزداد حاجياتهم شتاء بمناطق باردة تتطلب عدة خاصة. دأب أحمد الخمسيني، القاطن بدوار آيت حسين لبقعية بإيموزار، على بيع الفحم في جولاته المكوكية، ب60 درهما ثمنا لكل كيس يزن 20 كيلوغراما، أي بأقل من درهمين للكيلوغرام الواحد، سومة قد تنخفض في غياب زبناء يخففون العبء على حمار أنهكه التجوال بين الجبال البعيدة والدروب الضيقة المؤثثة للبهاليل. بحي المدقة بحومة أسفالو ساومت امرأة ثلاثينية العطار في بضاعته، محاولة إقناعه ببيع الكيس ب40 درهما فقط. لكنه رفض مفضلا البحث عن ثمن أكبر رزق أوفر في جولته التي قد تنتهي دون كسب يومي، لتكسد بضاعته لما يرخي الليل سدوله، و"يتغرب" بعيدا عن أسرته الصغيرة، منتظرة إطلالته البهية كل ليلة. ارتاب هذا الرجل لما ساءله الغرباء عن حمولة حماره، لخوفه الشديد من أن يكون أحدهم "بوغابة" ترتعش أطرافه لرؤيته خوفا من ذعيرة ستزيد جيبه إنهاكا. لكنه أطلق العنان للسانه لما اطمأن لمحدثيه، مسهبا في الحديث عن معاناته وفقر زبناء مثقوبي الجيوب، عاجزين عن شراء "بضاعة" كاسدة في عز فصل الشتاء.