ملف الصباح

الكنبوري: نموذج يلقى تجاوبا في إفريقيا

الباحث في العقيدة والأديان أكد أن أوربا تشكو التطرف في إفريقيا لكنها غير مستعدة لتقديم المساعدة

أضحت الدبلوماسية المغربية بفضل سياسة الملك محمد السادس، أكثر قدرة على الدفاع عن القضايا العادلة في مواجهة “أشباه القضايا” التي يتم الترويج لها من خلال حبك مناورات احترفتها القيادة الجزائرية التي وضعت نصب عينها معاكسة الوحدة الترابية للمغرب، ضمن أولوية سياستها الخارجية، وبالتالي سن المغرب سياسة التعاون جنوب -جنوب على المستوى العملي في جميع المجالات.

أجرى الحوار: أحمد الأرقام

هل تعتقد أن نموذج المغرب في تأهيل الحقل الديني سيساهم في الحد من انتشار التطرف في القارة الإفريقية؟
يمكن للنموذج المغربي أن يلعب دورا في الحد من التطرف والتشدد الديني في إفريقيا، من خلال المذهب المالكي المعروف بالتسامح وبالمبادئ الأخرى التي تجعله قابلا لمسايرة الظروف والوقائع المختلفة، مثل المصالح المرسلة والاستحسان والأخذ بالعرف، ولكن هذا الدور يبقى محدودا في كل الأحوال، لأن القارة الإفريقية مساحة واسعة، وفيها خليط من الثقافات والأعراف والممارسات الدينية.
والدور المغــربي يمكن أن يكون مؤثرا في البلدان التي لها علاقات تقليدية وتاريخية قديمة مع المغرب، وكانت في الماضي جزءا من الإمبراطورية المغربية الواسعة، وتوجد فيها اليوم قابلية للقبول بالنموذج المغربي، لكن هذا يتطلب وقتا من أجل نشر هذا النموذج وتعميمه ووضع سياسات دينية جديدة والقيام بإصلاح ديني يهم الخطاب الديني والمؤسسات، فالنموذج المغربي لا يمكن أن تكون نتيجته فورية وعاجلة.

 لماذا انتشر المد الأصولي المتطرف في الدول الإفريقية على حساب المد الصوفي المعتدل؟
ظلت إفريقيا طيلة عقود منطقة منسية في إطار تقسيم اقتصادي عالمي ينتج الإخفاق التنمـــــــــوي، ويحول القارة إلى مجرد خزان بشري واقتصادي للغرب، إذ أصبحت رمزا لفائض القيمـة التاريخي في العلاقات الإنتــاجية بينهـــا وبين الدول الاستعمارية السابقة، والنتيجة هي أن البلدان الإفريقية اليوم تعاني مختلف الأزمات التي أنتجتها الرأسمالية المعولمة التي ترتكز على استغلال المركز للهامش.
وأدت هذه الأزمات المتشابكة في إفريقيا إلى إنتاج العنف الطائفي والعرقي والسياسي والديني، فطيلة العقود الماضية كانت إفريقيا مهدا للصراعات المسلحة والقبلية والطائفية. واليوم، فإن العنف الديني لا يعد شيئا جديدا، الشيء الجديد هو أن العنف التقليدي السابق أصبح ذا طابع ديني.
أما المد الصوفي، فقد كان يناسب مرحلة زمنية معينة عندما كانت هناك هيمنة لبعض الإيديولوجيات التي تقترح بدائل للخروج من التخلف. وبعد نهاية الإيديولوجيات، فإن الشباب يتوجه اليوم نحو التطرف الديني والسلفية الجهادية باعتبارها إيديولوجيا جديدة يرى أنها ستمكنه من تحقيق طموحاته، وتقترح تصورا مغايرا للدولة، وتمنحه وسيلة للقتال ضد الأنظمة الموجودة التي لا تعبر عن طموحاته.
إن التطــرف الدينــي ينــــاســب اليــوم الفئــات الشبابية الجــديدة المحـــرومــة مــــن وســائل العيش الكــــريم، بمثل مــا كان التصوف يناسب الأجيال السابقــــة. ولا يمكن الخــروج مــن هــــذه الأزمـــة إلا بــــإيجــاد نمـــوذج تنمــوي جــديــد، وإعــــادة النظــر فــي العــــلاقــــات بين الشمال والجنوب. والمشكلـــــة أن أوربــا اليــوم تشكــو التطرف فــي إفريقيا، لكنها غير مستعدة لتقديم المساعدة.
هل تعتقدون أن الدول الغربية ستسهل مأمورية المغرب في تأهيل الحقل الديني، عبر إمارة المؤمنين التي يحملها الملك؟
لا تهتم الدول الغربية المسيحية بالإسلام، إلا عندما يتعلق الأمر بالتطرف والإرهاب، ومن هذه الناحية أعتقد أن البلدان الأوربية واعية بأن مساهمة المغرب قد تكون فاعلة وإيجابية في محاربة التطرف الديني، خصوصا أن النموذج المغربي قد يشكل عاملا مؤشرا في مزاحمة النفوذ الشيعي الإيراني، لكن المشكلة قد تأتي من الكنيسة الغربية التي لديها نفوذ في بعض البلدان الإفريقية وتنشط في مجال التنصير، غير أن تركيز المغرب على جانب التسامح والاعتدال قد يخفف من قلقها.

يشدد التنظيم المتطرف “بوكو حرام” على منع الفتيات من ولوج المدارس، علما أن القرآن الكريم يحث على القراءة والتعلم، من أين استمد هؤلاء تأويلهم الخاطئ والمتطرف للدين؟ .
ليس للدين تأويل واحد في كل الأمكنة، وهو يخضع في الكثير من الحالات للمعطيات السوسيولوجية والثقافية الموجودة. إن الواقع الاجتماعي والسياسي في إفريقيا هو الذي يفرض قراءة معينة للدين، والقول بأن الإسلام يحث على التعلم والقراءة صحيح من حيث المبدأ، ولكن في إفريقيا حيث التخلف التعليمي، ووجود فئات واسعة من الذكور لا يستفيدون من التعلم فإن الحديث عن تعليم الإناث قد يكون دافعا إلى السخرية من لدن الأفارقة.
إن الأوربيين يركــزون علــى هــذه القضية لأنها تمس حق النســاء فــي التعليــم، ولكنهم لم يفعلوا شيئا طيلة عقــود من أجل تعميم التعليم والنهوض به ودعمه، وهذه واحدة من أوجه النفــاق الغربي. أعتقد أننا يجب أن ننظــر إلى قضية “بوكــو حرام” من زاوية أنها منظمــة إرهــابية بصرف النظـــر عن قضية تعليم الإناث، وهـــذه المنظمة لا تمنع الإناث من التعليم فقط، بل تنفذ عمليات إرهابية ضد الجميع، وتختطف المواطنين الأفارقة بصرف النظر عن الحيثيات الأخرى.

القارة في مواجهة التشيع

ماذا يشكل خطر حرب الطوائف الدينية المتطرفة بزحف “داعش” ودخول التشيع بدعم إيراني، على استقرار دول شمال إفريقيا وجنوب أوربا؟
التغلغل الإيراني في إفريقيا قديم، وهو يبرهن أيضا على غياب الاهتمام بالقارة طيلة عقود مضت، فقد بقيت منسية ومهمشة مما ترك فراغا أمام الإيرانيين لنشر التشيع، واليوم بسبب الظاهرة الإرهابية يتحدث الجميع عن تمدد إيران، لكن أين كانوا بالأمس؟، الأمر نفسه بالنسبة إلى الحروب الطائفية، إن الغرب نفسه هو من دعم هذه الحروب في الماضي، والتورط الفرنسي في حرب رواندا بين التوتسي والهوتو في تسعينات القرن الماضي يوضح ذلك. إن أوربا تشكو اليوم مشكلات صنعتها بنفسها.
وأعتقد أن الأوربيين عندما يتحدثون عن أهمية الاستقرار في شمال إفريقيا، فلأنه يخدم مصالحهم ويريدون استقرار جنوب القارة الأوربية، وليس استقرار القارة الإفريقية، إنهم يريدون أزمات لا تصل إليهم فقط، هذا كل ما في الأمر، والدليل أن الأزمات الإفريقية في العقود الماضية لم تكن تهمهم لأنها كانت تظل داخل إفريقيا. إننا نلاحظ حتى الآن أن الأوربيين هم الذين يتحدثون عن استقرار إفريقيا، بينما الأفارقة لا يتكلمون، والتجمعات الإقليمية والقارية فاشلة.
لقد سبق للملك محمد السادس أن طالب بمشروع مارشال من أجل إفريقيا، وبإعادة النظر في علاقات شمال ـ جنوب، وهي رؤية حكيمة لكن المشكلة أن الأوروبيين ليس لديهم الاستعداد الكافي لخوض مغامرة من هذا النوع.

في سطور
> باحث في الفكر الديني والجماعات الإسلامية والهجرة.
> دكتوراه في العقيدة والأديان.
> متزوج وأب لطفلتين هاجر وسارة.
> له عدة مؤلفات من بينها: سلفي فرنسي في المغرب ـ شيوعيون في ثوب إسلامي ـ الإسلاميون بين الدين والسلطة ـ صحافة الزمن الغابر في المغرب ـ وكانوا شيعا: دراسات في التنظيمات الجهادية المعاصرة.
وله روايتان: زمن الخوف ـ الرجل الذي يتفقد الغيم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض