خمسة من أسرة واحدة وثلاثة ينتمون إلى أخرى يعيشون محنا أمام انعدام المساعدة والرعاية تستقيم الطريق المعبدة الرابطة بين الجديدة وأولاد فرج إلى حين الوصول إلى مركز خميس متوح، لتعرج على اليمين عبر طريق ملتوية، أطلقت عليها صفة طريق معبدة، رغم أن ما عبد منها تحول إلى معاناة حقيقية لمستعمليها، فما تكاد تنجو من حفرة حتى تسقط في أخرى، في مسلك وعر، يعرف حركية دائبة ويعد طريقا لحافلتي نقل حضري تربطان المنطقة بالرباط والبيضاء. العزلة هي المسيطر في هذا الفضاء المحسوب جغرافيا على عمالة سيدي بنور، والقريب واقعيا من تراب عمالة الجديدة، وبدوار أطلق عليه أولاد الغازي، تعيش أسرة مكونة من أب وأم وسبعة أبناء، خمسة منهم يعانون إعاقة تامة، لا يمشون ولا يتكلمون ولا يعون ما يدور حولهم، إنها عائلة أحمد بلمختار التي تقطن بدوار أولاد الغازي جماعة العامرية عمالة سيدي بنور. المصطفى صفر (موفد الصباح إلى سيدي بنور) تصوير: (ابراهيم بوعلو) سبعة أبناء في المجموع، خمسة منهم معاقون، يعانون تخلفا عقليا، لا يتكلمون ولا يمشون ولا يقومون من أماكنهم، بل بالكاد يتحركون باستعمال أيديهم وأرجلهم، في مشاهد محن يومية تعيشها الأسرة الفقيرة. خمسة أبناء معاقين مأساة سي أحمد الذي أشرف عمره على الستين، انطلقت منذ الولادة الثانية، إذ حينها ازداد الابن الثاني، فتم اكتشاف إعاقته، لينقل من المستشفى إلى المنزل، وبعده ازدادت مولودة أخرى كانت سليمة، ليتبعها أربعة آخرون ذكران وأنثيان، كلهم يعانون الإعاقة نفسها، ولا يتحركون إلا باستعمال أطرافهم السفلية والعلوية. لا يملك سي أحمد أي دفتر صحي ولا أي فحوصات، ما يعلمه أن الطبيب قال له إنهم معاقون، بل حسب قوله، فإنه لم يتم نصحه بعدم الإنجاب أو التوقف عنه، بل ظل في كل مرة يعتقد أنه سينجب ابنا سليما، ليضاعف عدد المعاقين الذين يوجدون اليوم تحت حضانته. الوضعية المزرية التي تعيشها الأسرة منعت التدقيق في نوع المرض بزيارة أطباء متخصصين، لوصف العلاج أو لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. يروي أحمد بلمختار أنه زار ذات مرة طبيبا وظل يتردد عليه من أجل ابنه الأوسط، إلا أنه في الأخير باح له بأن وضعيته لن تتحسن، ليرضخ للأمر الواقع ويترك أبناءه الخمسة على حالهم. أكبرهم سنا حوالي 22 سنة وأصغر لم يتجاوز عمره الأربع سنوات، يحبون داخل الغرفة ويتحركون ذات اليمين والشمال، تحت مراقبة لصيقة من أبيهم أو أمهم. "لا يمكن أن تتركهم لوحدهم، فهم دائما في حاجة للآخر، لمراقبتهم وتتبعهم ولتغذيتهم بل حتى لقضاء حاجاتهم". هذه هي اللازمة التي ظل سي أحمد يكررها في كل مرة لمناسبة شرح وضعية أبنائه المعاقين. في هذا الدوار البعيد عن سيدي بنور وعن الجديدة والذي يقع في الحدود الترابية لعمالتين، بعد المرور من مسالك وعرة وأغلبها حفر، يتحدث والد المعاقين الخمسة، عن معاناته، سواء أراد نقل أبنائه إلى المستشفى أو غيره، إضافة إلى الفقر وضعف ذات اليد، اللذين طوقاه من كل جانب وجعلاه يرضى بما يعتبره نصيبا، إذ صرح باللسان العامي ما مفاده "راني كنتعافر معاهم وحتى الفلاحة ضعيفة مرة تعطي مرة متعطيش، المهم راحنا صابرين تا يحن الله". لا دعم ولا مساعدات أما عن الدعم أو المساعدات، فنفى سي أحمد أن يكون أي من السلطات المحلية أو المختصة والمهتمة بالمعاقين طرق بابه أو سأله عن طريقة تدبير أموره، مضيفا أنه لم يبق لي إلا الملك، لكنني لا أعرف كيف أوصل إليه معاناتي... في ساحة مبلطة بالإسمنت، تكلفت إحدى المحسنات بتبليطها على نفقتها، يخرج الخمسة للتفسح ويحيط بهم سور يلف المكان خوفا عليهم من الذهاب بعيدا عن المنزل، فهم يقضون ساعاتهم في هذا الفضاء، قبل أن يدخلهم والدهم أو أمهم إلى غرفة أخرى حيث ينامون. رغم كل شيء، سي أحمد يحب أبناءه، كما يحبونه، يفهمهم ولو أنهم لا يتحدثون، فقط بإشاراتهم وإيماءاتهم، يدرك مرادهم ويلبي سريعا طلباتهم. يعاني في صمت ويخفي معاناته بابتسامة عريضة في وجه الأبناء، الذين ما أن يروه حتى يسرعون إليه وهم يجرون أطرفاهم الأربعة. أبناء "مسجونون" غير بعيد عن دوار أولاد الغازي، دوار آخر يطلق عليه أولاد العرفي يتبع بدوره لجماعة العامرية، يوجد منزل محمد بوعبيد، الذي يؤوي ثلاثة معاقين ذهنيا. محمد الذي ناهز عمره الستين، يروي أنه علم بأن أبناءه معاقون ذهنيا، منذ ميلادهم، رغم عدم وجود قرابة بينه وبين زوجته، لم ينصح بالتوقف عن الإنجاب واعتقد أن الابن الأول فقط سيكون معاقا ذهنيا، إلا أن السنين مرت إلى أن وجد نفسه بسبعة أبناء، ثلاثة منهم معاقون ذهنيا. يروي محمد أنه أنجز بطائق التغطية الصحية لأبنائه، وأن ضيق ذات اليد وعدم وجود مدارس تعنى بهذه الفئة، جعل أبناءه حبيسي المنزل، يرعاهم كما ترعاهم أمهم، في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي. صرخات محمد وقبله أحمد تتوجه إلى المسؤولين عن رعاية المعاقين، للالتفات إلى ذوي الاحتياجات الخاصة في الوسط القروي، التي تكون انعكاساتها أشد وألم، فلا مساعدات ولا اهتمام ولا أي شيء، فقط شفقة الجوار والمحسنين، هي الملاذ الوحيد لهما.