fbpx
الأولى

محاولة لفهم إشكالية التطرف

 maf-une-4فراغ ديني خطير ورفض بنيوي في العالم الإسلامي لأي قراءة إصلاحية للتراث الإسلامي

بقلم الدكتورة: أسماء المرابط

لا شك أن التطرف ظاهرة معقدة يستحيل حاليا شرح جميع الأسباب الكامنة وراءها شرحا دقيقا. وينم أحد خطابات زعيم تنظيم “داعش”، في نظري، عن مدى تعقيد هذه الظاهرة من جهة، وعن صداها العالمي والمحلي من جهة أخرى. وأعرض فيما يلي مقاطع من هذا الخطاب الذي تناقلته مصادر إعلامية مختلفة عن العدد الأول لمجلة “دابق” الإلكترونية التابعة للتنظيم والناطقة باللغة الإنجليزية:

“أيها المسلمون في كل مكان (…) ارفعوا رؤوسكم عالية. بعون الله أصبحت لديكم دولة خلافة، تعيد لكم الحقوق والكرامة والقيادة. إنها دولة حيث العرب وغير العرب، الأبيض والأسود، الشرقي والغربي، جميعا إخوة. إنها خلافة تجمع القوقازي والهندي والصيني والشامي والعراقي واليمني والمصري والإفريقي والأمريكي والفرنسي والألماني والأسترالي. جمع الله قلوبهم معا فأصبحوا بذلك إخوة بنعمته (…). اختلطت دماؤهم وأصبحوا موحدين تحت راية واحدة”.

ويعكس هذا الخطاب نداء على المستوى العالمي، إذ يمكن استنباط عناصر لغوية بناءة منه تساعد على تحليله ودراسته. ويستهدف قول هذا الخطاب “ارفعوا رؤوسكم عالية” مشاعر الذل والإحباط التي تحيط بذاكرة التاريخ الإسلامي الذي لم يتمكن بعد من التعافي من الهزائم المعنوية والمادية التي امتدت قرونا. ويستجيب قول الخطاب “لديكم دولة خلافة، تعيد لكم الحقوق والكرامة والقيادة” للمُتخيل الجماعي الإسلامي فيما يخص مفهوم الأمة في منظوره المرتبط بالفتوحات والقوة المُسترَدة. وهو ما يقدم تاريخا مثاليا للحضارة الإسلامية ويذكر بماض مجيد. وأما مخاطبته “العرب وغير العرب، الأبيض والأسود، الشرقي والغربي”، فهو نداء موجه إلى جميع المسلمين، وخصوصا إلى شريحة الشباب المعولم من الرجال والنساء، على اختلاف خلفياتهم. وتتجلى قوة هذا الأسلوب في تمكنه من خلق رواية تجمع بين المتخيل الإسلامي الهوياتي وثقافة شابة معاصرة فاقدة لمعالمها ترى نفسها منقذة للعالم.

وانطلاقا من هذا الخطاب، يمكن فهم ظاهرة التطرف من خلال العودة إلى مسبباتها المرتبطة بالمآزق أو الأزمات الأربع التالية:

أولا: أزمة الشرعية الدولية للقانون الدولي أمام القضايا الجيوسياسية الكبرى

تتجلى آثار هذه الأزمة في حرب النفوذ التي تشنها القوى العالمية المبررة بـ “الواقعية السياسية”. ويُعد الوضع الجيوسياسي العالمي الذي أصبح عليه الشرق الأوسط، سيما سوريا، أحد أسباب نجاح “داعش” بشكل كبير. كما أن الظلم الجيوسياسي بكافة أشكاله الذي شكل الوعي السياسي في العُشريات الماضية في الشرق الأوسط وفي الغرب، أدى إلى معاداة التوجه الأمريكي والغربي المعاصر. ومن ثم يتغذى خطاب “داعش”، المعارض للإمبريالية، من هذه الإخفاقات الجيوسياسية.

ثانيا: أزمة النظام الاجتماعي والاقتصادي العالمي

تتمظهر أضرار هذه الأزمة في الإقصاء والهشاشة الاجتماعية في دول الشمال والجنوب، والعنصرية والإسلاموفوبيا في أوربا، وتدفق اللاجئين من دول الجنوب وعولمة الظلم والإحباط والاحتقار… فعلى سبيل المثال، أوضحت الناشطة أميناتا تراوري أن الشباب في مالي لا يملكون، في الغالب، إلا الاختيار بين حمل السلاح أو الهجرة. كما خلق هذا الوضع في المجتمعات الليبرالية المتطرفة فراغا وغياب ثقافة روحية. ويشبه توجه الشباب الأوربي نحو “داعش” ما سماه عالم النفس والاجتماع إريك فروم “الهروب من الحرية” للإحساس بالأمن في أنظمة استبدادية! ويشكل الشباب في دول الجنوب المتعلقين بالحداثة والمتعطشين للحرية قاعدة للتطرف، بعد أن نالت منهم الإحباطات النفسية والجنسية والسياسية.

ثالثا: الأزمة السياسية في أغلب الأنظمة العربية

أدى الاستبداد السياسي إلى فشل أغلب العمليات الديمقراطية فشلا ذريعا بعد الثورات العربية، من خلال عودة التوتر الطائفي والاستبداد، باستثناء تونس والمغرب.

رابعا: أزمة الفكر الإسلامي

تتجلى هذه الأزمة في غياب فكر إسلامي يروم تجديد فهم الدين في سياقه. ولا يمكن اختزال التطرف في البعد الديني وحده، لأن أسبابه متعددة العوامل ومتداخلة. ولكن ارتباط العالم الإسلامي بمرجعيته الإسلامية، أي بالتفسير الديني وتنزيله، يتجاوز جميع الأبعاد الأخرى التي تُجسد مقومات حقيقية للتطرف.

ولم ينزل الإسلام كغيره من الأديان للتحريض على العنف، إذ إن العنف لا يرتبط بالنصوص الدينية المنزلة وإنما بتفاسيرها المستنبطة منها. ولا ينفك المتطرفون يستدلون بالإسلام ويعكسون رفض العالم الإسلامي لمواجهة حقيقة ربط الإسلام بالتطرف، ويجسدون إخفاقاتنا… يجب أن نعترف إذن بوجود تفسير ديني إيديولوجي نتج عن أدب معياري إسلامي في القرون الوسطى يغذي الخطاب المتطرف اليوم ويتقاطع مع العديد من التيارات الإسلامية بدرجات متفاوتة سواء أكان بشكل ظاهر أو مستتر كالتيار السلفي المتشدد، والسلفية الجهادية، والإسلام السياسي. ويرجع انتشار هذه التيارات إلى الإمكانيات المالية التي سمحت بانتشاره السريع عبر العالم الإسلامي.

وتعتبر المرجعية الدينية، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، مهمة في أغلب الدول الإسلامية، إذ تتم الاستجابة للأحداث المحلية أو الجيوسياسية عبر قراءة دينية تؤجج الخطابات السياسية. وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي التسييس المتزايد للإسلام إلى خلق صراعات متزايدة.

ولا بد من الاعتراف بأن الإيديولوجية المتطرفة تستمد قوتها ومادتها الأولى من خطاب إسلامي حرفي ومذهبي تزخر به المراجع الإسلامية التقليدية ويحول دون أية محاولة للإصلاح. ويروم هذا الخطاب الديني دفع الفئات الأكثر هشاشة لتبني آرائه، إذ يستغل المتطرفون، للأسف، ويتلاعبون بمعجم إيديولوجي مُستمد من إنتاج ديني تقليدي “راكد” يحتضن فكرا مزدوجا من قبيل هم ونحن، الكفار والمسلمون، الحلال والحرام، الكافر والمسلم، الخير والشر…

وتنبني الإيديولوجية السلفية الجهادية على هذه الرؤية المزدوجة المانوية التي توجد في أغلب المراجع الدينية، إذ تعكس استعلاء على الغير من خلال الحديث عن معسكر المؤمنين أو المسلمين ومعسكر الكفار. وقد نتجت هذه التفاسير الدينية على غرار التكفير عن مرحلة تاريخية لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بزمن الوحي القرآني، لأنها إنتاجات بشرية ترتبت عن سياقات تاريخية خاصة تعج بها كتب التفاسير الإسلامية والتأريخ التقليدي، سيما غزو إمبراطوريات إسلامية دولا حاكمة وخلافات قديمة.

وتصادر الإيديولوجية المتطرفة الرسالة الأخلاقية الأولى للإسلام من أجل خلق معتقد جماعي، انطلاقا من أدلجة التاريخ التي تفقده أي رابط بواقع ذلك الزمان ليحل محله الخيال الإيديولوجي، وبالتالي الإيهام بوجود رابط مع التاريخ الحقيقي. ومن ثم يقدم التطرف الديني رؤية وهمية لتاريخ إسلام خرافي مُحاط بالأساطير، وهو الإسلام الذي تنادي به “داعش”.

وما زالت للأسف خطب الوعظ والكتب الدينية والخطابات الإسلامية منغمسة في هذه الرؤية التي تدعم دون وعي منها الإيديولوجية المتطرفة وتقدم أرضية خصبة لها، وهي رؤية مغلوطة تفتقر إلى البعد الأخلاقي وتعكس إسلام الفتوحات المثالي والخارج عن التاريخ، وتعتبر اليهودي والمسيحي والملحد والمسلم الذي لا يتبع الطريق المستقيم أعداء الله. ولكن عدو الله في المنظور الأخلاقي القرآني هو ذلك الذي يعيث في الأرض فسادا ويظلم ويسرق ويخرب خلق الله…

ولا شك أن الخطاب الإسلامي المحافظ السائد اليوم لا يحض بشكل مباشر على أعمال العنف. لكن رغم أن أغلب علماء الدين المسلمين يرفضون العنف ولا يتحملون مسؤولية مباشرة فيه، إلا أنهم يحملون على عاتقهم مسؤولية أخلاقية أمام هذا العنف الذي يُمارس باسم الدين، بسبب اعتراضهم الضعيف وصمتهم أحيانا أو عدم فاعلية خطابهم المضاد الذي يُشرع بشكل ضمني للخطاب المتطرف، القادر على تعبئة شباب متعطش للخطاب الديني يمنحه لهم وُعاظ متطرفون عبر الإنترنت. وتتحمل المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي مسؤولية أخلاقية في استمرارية خطاب لا يحض دون شك على العنف، وإنما يكرس للمصطلحات والمفاهيم الدينية نفسها الداعمة للقطيعة مع الآخر.

وأمام الخطاب الديني المتطرف، يوجد اليوم فراغ ديني خطير ورفض بنيوي في العالم الإسلامي لأي قراءة إصلاحية للتراث الإسلامي، وغياب خطاب مضاد قادر على التصدي لهذا العنف والخطاب المتطرف. ويوجد تقاعس حقيقي للعلماء والمؤسسات الدينية الكبرى عن مواجهة القضايا المؤرقة الحقيقية، مثل الديمقراطية والعلمانية والعقوبات الجسدية وحرية المعتقد والمساواة بين الرجال والنساء والحريات الفردية وغيرها، ومراجعة كل المفاهيم الإشكالية كالشريعة والجهاد والكفر التي يستعملها الجهاديون استعمالا مبالغا. وتتجلى أزمة العالم الإسلامي الكبرى في فكره الجامد المنغلق وراء حصن الهوية والقلق من استلاب الغرب المتهم بالتسبب في كل أنواع الشرور والمشكلات. ويتغذى التطرف الديني والتمذهب الطائفي على هذا التدين العاطفي الذي يركز بشكل كبير على الهوية.

ولطالما استحضرت نسبة قليلة من المفكرين المسلمين مسألة الإصلاح الديني، لكن هذه القضية لم تكن أبدا هما مجتمعيا، وإنما كانت دائما تؤجل بسبب الخوف من ضياع الهوية التي أضعفتها مختلف الصدمات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. وما زال المدافعون عن الإسلام السياسي ومختلف السلطات السياسية يرفضون محاولات إعادة تفسير الخطاب والفكر الإسلاميين، لأن إصلاح التوجه التقليدي للتفسير الديني يفتح الباب أمام قراءة حقيقية متحررة ستشكل لا محالة خطرا على جميع الإيديولوجيات الاستبدادية.

وتؤكد اليوم الخطابات العاطفية والتبريرية و”التآمرية” العقيمة التي لا تقدم إجابات ناجعة، على العجز عن مواجهة القضايا الآنية المطروحة. ولا تقتصر الأسباب على الإسلاموفوبيا والعنصرية، لكنها تشمل أيضا غياب انسجام حقيقي اليوم بين الخطاب الإسلامي وهذه القضية التي أفرزتها التفاسير الفقهية المتقادمة.

وتُعد إعادة قراءة تاريخ الإسلام وبنائه السياسي والاجتماعي قراءة نقدية كفيلة بإعادة النظر اليوم في عدد كبير من المفاهيم المعيارية التي يستغلها المتطرفون الدينيون، والتي تتعارض مع القيم العالمية والمبادئ الأخلاقية الإسلامية.

الخاتمة

وختاما، يُعتبر غياب إصلاح الفكر الإسلامي أحد المعطيات الأساسية التي تقف عائقا أمام محاربة التطرف. ويمكن أن تساعد إعادة قراءة التفاسير الدينية وإصلاحها على الخروج من هذا المأزق، رغم أنها عملية طويلة الأمد.

وأمام هذا الاستغلال الديني الذي يتزايد خطره، لا بد من الاتفاق على وجود حاجة ملحة لإنجاز نقد ذاتي وإصلاح ديني قادر على تفكيك القراءة العنيفة والتائهة للتيارات المتطرفة انطلاقا من دراسة داخلية للإسلام. وأمام خطاب العنف والكراهية والإيديولوجيات القاتلة، يجب إعطاء المسلمين مفاتيح جديدة لقراءة دين الإسلام والتعامل معه قيمة روحية تحريرية، بدل أن يكون هوية دفاعية.

ويجب اليوم إعادة تفسير النص الديني وفهمه باعتباره قيمة أخلاقية إنسانية من خلال قيم جوهرية في الرسالة الروحية، مثل التحرر الإنساني والمساواة بين جميع البشر وحرية المعتقد وضرورة إقامة العدل وأهمية العلم والعقل واحترام التنوع. ويجب التذكير بأن إصلاح مقاربتنا الدينية نابع من واقعنا الذي يحتمه علينا، وليس استسلاما لأوامر خارجية. ويبقى الإصلاح الديني في الإسلام مرتبطا ارتباطا قويا بممارسة سلطة ديمقراطية حقيقية وبحرية فعلية للفكر والتعبير. ويُعد إصلاح المقاربة الدينية إصلاحا مجتمعيا عميقا ورهانا قويا للديمقراطية، نظرا لأن الإسلام مؤشر اجتماعي وثقافي مهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق