fbpx
اذاعة وتلفزيون

مالك شبل… فيلسوف التنوير الإسلامي

 

فكك بأطروحاته المفارقات الدائمة التي أعاقت تطور الإسلام  

لم ينتبه الكثيرون، في العالم العربي والإسلامي، إلى اسم «مالك شبل» إلا بعد أن تداولت وسائل الإعلام خبر وفاته. وقع الرحيل كان حافزا لتحريك محركات البحث عن اسم هذا الرجل الذي ظل نشاطه الفكري مقصورا على الأوساط الفرنكفونية، كما دفع البعض إلى البحث عن كتبه وإصداراته لمعرفة سر الضجة الذي أحدثها رحيل اسم من حجم مالك شبل. في هذا الخاص تتوقف «الصباح» عند أهم القضايا التي شغلت بال المفكر الجزائري وشكلت الخيط الناظم لمشروعه الفكري، كما عبر عنها في كتاباته وحواراته.

إنجاز: عزيز المجدوب

يبدو أن ما جعل اسم مالك شبل محدود التداول في الأوساط الفكرية العربية، هو ندرة الترجمات العربية لمؤلفاته رغم غزارتها، تربو على 35 مؤلفا كلها باللغة الفرنسية، عالج فيها مواضيع تتعلق بالإسلام والثقافة الإسلامية وعلاقة الغرب بهما. في الوقت الذي ظلت مؤلفاته خالقة الحدث في فرنسا طيلة عقود، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر، ظل التلقي العربي لمؤلفاته والتفاعل معها دون قيمتها العلمية والأكاديمية، وقدرتها السجالية وإصرارها على اقتحام المناطق الملغومة في عرف التيارات الإسلامية المحافظة.

تكوين متعدد التخصصات

برز اسم مالك شبل، المزداد باسكيكدة الجزائرية سنة 1953، في الأوساط الفكرية منذ النصف الأول للثمانينات، باعتباره أنثربولوجيا وباحثا في الشأن الديني وأحد الداعين إلى تحديث الفكر الإسلامي وإعادة النظر في أسلوب مقاربة الظواهر المتصلة بالدين.

واعتمد شبل مقاربة متعددة التخصصات، بحكم تكوينه الأكاديمي المتفرع بين أكثر من تخصص، إذ بعد حصوله على الإجازة في علم النفس بقسنطينة، انتقل إلى فرنسا ليعمق تخصصه ويحصل فيه على شهادة الدكتوراه، قبل أن يواصل مساره الأكاديمي ويعززه بشهادتي دكتوراه أخريين في أنثربولوجيا الأديان وعلم السياسة، وهو ما وفر له عدة منهجية وأكاديمية للخوض في المواضيع التي انبرى لها في مشروعه الفكري. كانت النقطة الأساسية التي أثارت انتباه مالك شبل وهو بصدد إنجاز دراساته وأبحاثه في ما يتعلق بالشأن الإسلامي، وهي أن الأوربيين درسوا الإسلام “انطلاقا من اهتماماتهم ومشاغلهم الخاصة الفورية وتصوراتهم التاريخية المسبقة” منها أن “الإسلام يشكل خطرا على المسيحية” وهي النقط التي أشار لها في حوار  سابق أجراه معه الإعلامي والكاتب المعطي قبال.

وانتبه شبل إلى أن أهم إشكال يواجه المسلمين هو أنهم ورثوا عن أسلافهم تصورا ورؤية أخضعت دراسة الإسلام لتوجيه خاص، إذ لم يكونوا يتوفرون على منهجية قائمة بذاتها للرد على الأفكار المسبقة للأوربيين والمستشرقين حول الإسلام، بمعنى أنه لم يكونوا يتوفرون على “تحليل عصري أو حداثي للإسلام” أو أنهم ظلوا “أسرى مقاربة حرفية، أدبية وشعرية مع تمرير خطاب مفاده أن ما يتضمنه الإسلام كله عظيم وخارق وليس موضعا لأي شك أو خطأ” أي أن “العرب لم تكن تحذوهم أي رغبة لتكوين أو تأسيس مقاربة ميتودولوجية أو منهجية للإسلام كفيلة بإنتاج عقلانية، لأنهم كانوا ذوي تصورات متعالية عن الرسول، ونبيه ووحيه”.

 “إسلام الأنوار”

كانت الخطوة الأولى في درب مالك شبل الفكري، الممتد عبر أزيد من ثلاثة عقود، هو كتاب “الجسد في الإسلام” الذي صدر سنة 1984، ثم أعقبه بكتاب ثان بعنوان “تكوين الهوية السياسية”، لتتوالى العناوين تباعا في مواضيع تتصل بقضايا حساسة تسائل بنية التفكير الإسلامي، كما حرص فيها شبل على التقاط التفاصيل الصغيرة في حياة المسلم، من أجل فهم السياق الفكري والنفسي الذي يحرك هذا الفرد ويدفعه لتبني أطروحات متطرفة، تصل أحيانا لحد اللجوء إلى العنف، وهي المسألة التي شغلت أيضا بال المجتمعات الغربية التي اكتوت بنيران التطرف الإسلامي وعملياته التي استهدفت عددا من العواصم الأوربية وحتى  الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن المفاهيم التي أطلقها مالك شبل، وجرى تداولها على نطاق واسع  “إسلام الأنوار”، وهو ما اعتبره بعض منتقدي مشروع المفكر الجزائري، بأنه حاول أن يسقط سياقا تاريخيا مغايرا للمسيحية في علاقتها بثورة الأنوار، على الإسلام الذي يحكمه سياق مغاير، وهي النقطة التي انتبه لها شبل واعتبر أن مفهومه بدا له أقرب إلى ما يرغب في إنجازه، ومما تم إنجازه لما تخلص الغرب من ربقة الكنيسة، بعد أن ابتكر لنفسه (أي الغرب) أدوات لرسم الحدود بين الدين والعلم.

أدرك شبل أن الإسقاط الكلي لا يمكن أن يتحقق، لذا خفف من وقع مفهومه المبتكر، مبقيا على جانب “الأنوار” فيه، في الوقت الذي لم يتحمس أو يدافع عن فكرة إزاحة الدين من المجال العمومي، معتبرا أن هذه الفكرة من شأنها “أن تزج بنا في معركة إيديولوجية وليس في معركة علمية” في الوقت الذي يسعى فيه إلى “التخفيف من ثقل ما هو ديني للتشديد على المقاربة العلمية للإسلام”.

انهيار نموذج إسلامي

يرى مالك شبل أن أشكال التدين الإسلامي التي كانت سائدة في المنطقة العربية، في طريقها للزوال لصالح إسلام جديد، يتجاوز الرقعة العربية، قادم من الدول الإسلامية المجاورة خاصة الآسيوية، ولم يعد الإسلام في العالم العربي قادرا على بلورة فكر خاص وأن يكون مؤثرا، بل صارت أنماط التدين مجرد محاكاة للقضايا الإسلامية كما تطرح في البلدان الآسيوية.

ومن الأمثلة الصارخة على ما يذهب إليه مالك شبل، النقاش حول الحجاب والبرقع، وهو لباس ثقافي يخص مناطق معينة بآسيا، يحاول البعض تعميمه على أساس أنه هو “اللباس الإسلامي”.

 وفي هذا السياق يرى شبل أن ارتداء الحجاب ليس فرضا من فروض الشريعة، متسائلا: هل الحجاب فرض للتأكد من إيمان شخص ما؟ قبل أن يجيب بلا وإلا لاعتبرنا القرون التي مضت قرونا بلا مسلمين، أو نساء المغرب الكبير اللواتي لم يكن يرتدين الحجاب في الغالب، “مسلمات غير فاضلات” معتبرا أن الحجاب هو مرآة لتحولات سوسيولوجية محددة، مرتبطة بفترات وظروف معينة لسنا ملزمين بالخضوع لها، لكن في الوقت نفسه لا يجب التعامل مع الظاهرة بعدوانية كما حاول قسم كبير من الإعلام الفرنسي.

وميز شبل بين الحجاب والبرقع، معتبرا الأخير بأنه لا يمت للإسلام بصلة، بل مرتبط بثقافة لباس منتشرة في اليمن وأفغانستان وباكستان، كما أن الحجاب مسألة تسمية فقط، خاصة أن الآيات القرآنية التي تتعلق به لم تكن واضحة، فضلا أن هذا النقاش طفا على الواجهة خلال القرن العشرين في الوقت الذي لم يكن فيه مطروحا في القرون الماضية، بشكل يوحي بأن مسألة الحجاب لم تشغل بال الفقهاء أو أن الحجاب لم يكن موجودا أصلا.

وهنا يعتبر شبل أنه لا يمكن تطبيق الشريعة كما هو معمول به في العربية السعودية أو كما كان معمولا به خلال بدايات الإسلام نفسه،  وإلا فإننا لم نفهم شيئا مما ذكر في الشريعة، ولو طبقنا حرفيا وبشكل غبي وعدواني هذه التوصية، فسنعيش في مفارقة دائمة.

 

ارتداء الحجاب ليس فرضا من فروض الشريعة، (…) وإلا لاعتبرنا القرون التي مضت قرونا بلا مسلمين، أو نساء المغرب الكبير اللواتي لم يكن يرتدين الحجاب، في الغالب، «مسلمات غير فاضلات»….

“لا يمكن تطبيق الشريعة كما هو معمول به في العربية السعودية أو كما كان معمولا به خلال بدايات الإسلام نفسه،  وإلا فإننا لم نفهم شيئا مما ذكر في الشريعة، ولو طبقنا حرفيا وبشكل غبي وعدواني هذه التوصية، فسنعيش في مفارقة دائمة”.

 

تضم قائمة مؤلفات الراحل مالك شبل العديد

 من العناوين منها:

ـ «المخيال العربي الإسلامي»

ـ «قاموس الرموز الإسلامية»

ـ «موسوعة الحب في الإسلام»

ـ «التحليل النفسي لقصة ألف ليلة وليلة»

ـ «الذات في الإسلام»

ـ بيان من أجل إسلام التنوير»

ـ «الإسلام والعقل.. نضال الأفكار»

ـ «الجنس والحريم.. روح السراري: السلوكات الجنسية المهمشة في المغرب الكبير»

ـ «القاموس الموسوعي حول القرآن»

ـ «أبناء إبراهيم: مسيحي ويهودي ومسلم في حوار»

ـ «الإيروس عند العرب»

ـ «لا شعور الإسلام: تأملات في الحظر والخطيئة والاختراق»

ـ ترجمة القرآن إلى الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى