تحتال على شركات وتتلاعب في تواريخ صلاحيتها وتروجها بطرق احترافية بالأسواق سبر أغوار مافيات المواد الغذائية ليس بالأمر السهل، بسبب حساسية الموضوع، إذ رفض عدد من تجار المواد الغذائية الخوض فيه. منهم من تهرب بطريقة فظة، كأن الأمر اتهام شخصي له، في حين رفض آخرون الخوض فيه بطريقة ماكرة، تشعر في حديثهم خوفا من أن يتعرضوا لمكروه رغم الضمانات التي قدمت بوضع أسماء مستعارة. تشعر وكأن عناصر مافيا المواد الغذائية الفاسدة تخنق أنفاسهم. لكن رغم هذا الإحباط في البداية، غرد عدد قليل منهم خارج سرب الرافضين، وقرروا الكشف عن حقائق وصفت بالخطيرة من باب تبرئة ذمتهم حسب قولهم، ورمي الكرة في مرمى السلطات المختصة من أجل التدخل، لكن شرط وضع أسماء مستعارة وتحريف مكان وجود محلاتهم التجارية، حتى يكونوا في مأمن، ليس فقط من تهديدات عناصر المافيا، بل من باعة متجولين وأصحاب محلات تجارية، سيكونون تحت أصابع الاتهام، رغم أنهم من أكبر ضحايا خداع هذه المافيا. إنجاز: مصطفى لطفي أسباب نزول هذا التحقيق، تعود إلى حجز الشرطة القضائية للفداء مرس السلطان، في فترة سابقة، أزيد من 26 طنا من المواد الغذائية الفاسدة بمستودع بحي شريفة، واعتقال صاحبها، وهو تاجر معروف بالمنطقة. السقوط اعتقال المتهم كان استمرارا لبحث باشرته الشرطة، بعد حجز 200 طن من المواد الغذائية الفاسدة بتنسيق مع مصالح المختصة التابعة لعمالة الفداء في عدة عمليات منذ رمضان الماضي. كشفت التحقيقات مع الموقوف، بناء على محاضر الضابطة القضائية عن جزء صغير جدا من عمل مافيا تهريب المواد الفاسدة، بعد أن تمسك بالإنكار، وحاول التمويه على المحققين بفواتير تبين أنها لا تخص السلع المحجوزة، ما أضاع الكشف عن هوية"الحيتان" الكبيرة التي تزود الأسواق البيضاوية، بهذه المواد المضرة بالصحة وطرق ترويجها بعيدا عن أعين السلطات المختصة. رغم إحالة المتهم على العدالة وإدانته بسنة حبسا نافذا، إلا أن هناك ألغازا في الملف، منها طريقة حصول أعضاء المافيا على الأطنان من المواد الغذائية، وتخزينها وتزوير تواريخ صلاحيتها بحرفية عالية، قبل توزيعها على المحلات التجارية والباعة المتجولين بشكل سري. حقائق كان الوقت عصرا بمنطقة الفداء مرس السلطان، حيث كان لنا موعد مع عبد اللطيف، (اسم مستعار)، وهو تاجر للمواد الغذائية، له خبايا عديدة حول هذا الموضوع. بعد اللقاء، فضل أن نقوم بجولة بأسواق المنطقة حيث يعرض باعة متجولون مواد غذائية تنوعت بين الأجبان وعلب المربى والقطاني والأرز والمصبرات بمختلف أشكالها. استفسر عبد اللطيف بائعا متجولا عن ثمن علبة مصبرات "التونة"، فكان الثمن مغريا. دون تردد أكد عبد اللطيف، أن مصدرها مافيا المواد الفاسدة. ولتأكيد كلامه، تمت معاينة تاريخ صلاحيتها، فكان محددا في أواخر 2017، ما زاد التاجر يقينا أنها فاسدة، ووعد بتقديم الدليل لحظة مغادرتنا المكان، سيما بعد أن شك صاحب البضاعة أن هناك أمرا مريبا. داخل المقهى، فضل عبد اللطيف الحديث بصوت خافت، وفي كل مناسبة يرمق يمينا وشمالا للتأكد أن لا أحد يسترق السمع. بعدها كشف عن أول أسراره. قال بثقة :" هناك نوعان من مافيا المواد الغذائية الأولى تنشط بمدن الشمال والثانية بمدن الداخل". التزم الصمت لثوان، قبل أن يستدرك حديثه، كاشفا عن سر مدو: " بالنسبة لمافيا الشمال، فلها علاقات نافذة بشركات متخصصة في إنتاج مواد غذائية بإسبانيا والجزائر وتونس، إذ عندما ترغب هذه الشركات في التخلص من الأطنان منها، أوشكت على انتهاء صلاحيتها، يتم بيعها لهم بأثمنة رمزية، ويكون التسليم إما بسبتة ومليلية السليبتين، أو تهريبها من الحدود الشرقية، فتوزعها المافيا على المدن المغربية". ارتشف التاجر قهوته بطريقة مثيرة، كأن حلقه جف بسرده هذه المعلومات، فواصل مفجرا سرا جديدا :" أما المافيا الثانية فتتكون من أبناء الداخل، أغلبهم من بني ملال ومنطقة دكالة والغرب وضواحي فاس والبيضاء، وحصولهم على المواد الغذائية يكون بطريقة احتيالية على الشركات المغربية، إذ يقتنون منها كميات تقدر بالأطنان أوشكت على انتهاء صلاحيتها على أساس أنها ستخصص علفا للماشية أو في أغراض أخرى غير الاستهلاك، ويحصلون في المقابل على فاتورات مقابل هذه العملية، إلا أنه بدل أن تخصص لما تم الاتفاق عليه، تجد طريقها إلى محلات تجارية بعد تزوير تواريخها". التلاعب بالفاتورات أغلب أعضاء مافيا تهريب المواد الغذائية الفاسدة، حاولوا التمويه على المحققين بعد إيقافهم، بعرض فاتورات اقتنائهم السلع المحجوزة موقعة من مسؤولي شركات مغربية وأجنبية. هنا استدرك التاجر عبد اللطيف هذا الأمر، وشدد على أنه نصب واحتيال متقن. يوضح عبد اللطيف ذلك، أن المهربين فعلا يحصلون على فاتورات موقعة من مسؤولي الشركات عن حسن نية، لكنهم يستغلونها في تهريب سلع من النوع نفسه، لكنها فاسدة، وكشف أن الأمر يحتاج إلى يقظة ودقة عالية من قبل المصالح الأمنية والمختصة. تصريحات التاجر عبد اللطيف، أقر بها مسؤول أمني، إذ أثناء إيقاف مهرب للمواد الفاسدة، قدم للشرطة فاتورة تتضمن السلع المحجوزة، لكن الخبرة التي أجريت عليها كشفت أنها فاسدة وانتهت صلاحيتها، ما جعل المحققين يقتنعون أن السلع المتضمنة في الفاتورة لم تروج بعد، إذ بعد تحريات، تم حجزها في مستودع، فتراجع الموقوف عن تصريحاته السابقة وأقر أنه حاول تضليلهم. هذه الواقعة، يوضح المسؤول الأمني، جعلت الشرطة تتشدد في التعامل مع الفاتورات، وغالبا ما كانت قراراتها على صواب. تزوير تواريخ السلع غادرنا التاجر عبد اللطيف، في اتجاه محل تجاري بعمالة مولاي رشيد، يسيره حميد، يبلغ من العمر 50 سنة، سبق أن أدين بستة أشهر في قضية ترويج مواد فاسدة، ومنذ ذلك الوقت أعلن "توبته"، ونذر نفسه للتجارة "الحلال" حسب قوله. كان محله يعج بالمئات من المواد الغذائية المختلفة. عاين تحديقنا فيها، فعقب بشكل لطيف وبابتسامة عريضة " ما تخافش، كولشي طري". يتذكر حميد أيام "المحنة" كما يسميها يوم اعتقاله في القضية، والتي كادت أن تعصف بأسرته وتشرد أبناءه، لأنه سدد الملايين تعويضا للجمارك، بعد حجز سلع أجنبية مهربة لديه. لحسن حظه سانده أصهاره ومنحوه قرضا مهما، أعادت هيبته بين التجار. دون مقدمات أو تردد، وكأنه يعلم ما نريد، تحدث حميد وبصوت عال على نقيض التاجر عبد اللطيف، كأن حديثه محاولة للتكفير عن ذنب اقترفه في وقت سابق، كاشفا عن معلومة مثيرة، وهي أن السلع المهربة من أوربا وتلك المقتناة من شركات مغربية يتم تجميعها في مستودعات بأربع مدن، وهي برشيد وتيط مليل وضواحي فاس والقنيطرة، وزاد موضحا :" بهذه المستودعات، يتم تزوير تواريخ المواد الغذائية من قبل متخصصين، إلا أن هذا التزوير يتطلب دقة متناهية حتى لا يفتضح الأمر، ليس فقط من قبل السلطات المختصة والأمنية ، بل حتى من باقي التجار والباعة المتجولين". بعد صمت لم يدم طويلا، كشف حميد عن طقوس" التزوير"، قائلا : "أول عملية هو تذوق نماذج من المواد الغذائية المراد تزويرها للتأكد من أنها ما زالت صالحة للاستهلاك مؤقتا، بحكم أن إهمال هذه الخطوة، سيؤدي إلى افتضاح الأمر، إذ لا يعقل أن يوضع تاريخ طويل الأمد على البضاعة، وعلامات التلف بادية عليها بالعين المجردة، ما سيثير انتباه من سيقتنيها من أول نظرة". بعدها، يؤكد حميد، يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي وضع تواريخ مزورة على هذه المواد، بالاستعانة بآلات متطورة يتم اقتناؤها من الصين، تقدر قيمتها بالملايين، متخصصة في وضع تواريخ مزورة على جميع علب المواد الغذائية سواء كانت بلاستيكية أو معدنية وورقية، بدقة متناهية يصعب معها كشف الأمر، عكس ما كان في السابق، إذ يكفي محو التاريخ بأصبع، ليفاجأ المرء بالتاريخ الحقيقي للبضاعة. تستغرق عملية تزوير تواريخ صلاحية السلع مدة من الزمن، قد تصل إلى أسبوع، وخلال حديثه، سيتوقف حميد عند نقطة يعتبرها غاية في الأهمية أثناء التزوير، وهي أن المافيا تتعمد ألا يتجاوز تاريخ الصلاحية الجديد للسلعة سنة فقط. وبعد تزوير تواريخ أطنان من السلع، تنتقل المافيا إلى أهم مرحلة، وهي نقل هذه السلع من مستودعات برشيد والقنيطرة وصفرو وتيط مليل إلى مستودعات أخرى بعدد من المدن المغربية، على رأسها البيضاء، قبل توزيعها على التجار. هذه العملية تتطلب دقة كبيرة، وحذرا شديدا، لأن أي هفوة، قد تنتهي باحتجاز هذه الأطنان من السلع، والتي تقدر بالملايين، ويجد أفراد المافيا أنفسهم في مخافر الشرطة والدرك. يبقى سؤال مثير في عملية نقل هذه السلع، وهي كيف تنجح هذه المافيا في تهريبها إلى المدن عبر طرق مليئة بحواجز تابعة للدرك والشرطة، دون افتضاح أمرها. الجواب كان لدى عبد العالي، يبلغ من العمر 40 سنة، يملك محلا تجاريا بمنطقة عين السبع، إذ نبه إلى مسألة هامة، وهي أن أفراد المافيا القادمين من مدن الشمال وحتى الغرب، ينفذون عملياتهم في الساعات الأولى من الليل، ويعلمون توقيت تغيير الحراسة على السدود القضائية. يزيد عبد العالي في توضح هذه المسألة، أن من بين هفوات العناصر الأمنية، خصوصا الدرك، أنه بانتهاء وقت إشرافها على حراسة السد القضائي، تغادر المكان دون انتظار قدوم من يحل مكانها، وهي النقطة التي يستغلها أعضاء المافيا، إذ بمجرد حدوث هذا الفراغ الأمني، ينطلقون بشاحناتهم الكبيرة ويمرون دون أن تعترضهم أي عوائق. أما داخل المدن، يضيف عبد العالي، تتعمد المافيا ركن الشاحنات قرب الشركات في المناطق الصناعية مثل سيدي البرنوصي وعين السبع، لإيهام العناصر الأمنية أن هذه السلع خاصة بهذه الشركات، وبعدها يتم تفريغها بالاستعانة بسيارات لنقل البضائع "هوندا"، ونقلها إلى مستودعات بحي مولاي رشيد ودرب السلطان والحي المحمدي وأحياء بيضاوية أخرى شهيرة. على غرار باقي الشبكات الإجرامية، يسود التضامن بين عناصر مافيا تهريب المواد الغذائية الفاسدة، إذ حال اعتقال أحدهم، يلقى الدعم الكامل من قبل زعمائها، إذ يتكلفون بالإنفاق على أسرته وتوفير متطلباتها إلى حين مغادرته السجن، وبعدها مساعدته ماليا من أجل مباشرة تجارته من جديد في حال لم يعلن توبته. هذه المساعدات بطبيعة الحال لها مقابل، وهو التزام الصمت، وعدم الكشف عن أسرار عمل هذه الشبكة، وأسماء قادتها، الذين أغلبهم يقيمون خارج البيضاء، وهو ما وقفت عليه الضابطة القضائية في ملفات عديدة، إذ تمسك المتهمون أنهم يعملون فرادى في هذا النشاط المخالف للقانون، وتسلحوا بسلاح النكران والنفي، ما كان يصعب على العناصر الأمنية تعقب باقي المتهمين.