fbpx
ملف الصباح

حين يتحول خرق القانون إلى مكتسب

يرفع شعار “الحكرة” في كل مرة يتم الاعتداء فيها على مواطن أو تحاول السلطة تطبيق القانون فيؤدي الأمر إلى انزلاقات ينجم عنها ضحايا. وهناك العديد من الأحداث التي وقعت في الأشهر الأخيرة، كان آخرها مقتل بائع السمك محسن فكري، الذي حاول منع إتلاف بضاعته بإلقاء نفسه في حاوية شاحنة الأزبال التي عهد إليها بإتلاف المحجوز، فتطورت الأحداث إلى أن وصلت إلى النهاية المأساوية التي أججت شوارع العديد من المدن تنديدا بهذه الجريمة. وما زالت خيوط القضية لم تتضح بعد لتحديد المسؤولية ومعرفة كل ملابسات هذا الحادث، لكن ذلك لا يمنع من التساؤل حول الأسباب التي تؤدي إلى هذا النوع من الأحداث وتجعل المواطن يشعر بـ”الحكرة” حتى لو كان الأمر يتعلق بتطبيق القانون.
وإذا كان الجميع يتفق على أن الشطط في استعمال السلطة يعتبر وجها من أوجه “الحكرة” تجاه المواطن، وأنه يتعين على الجميع مناهضة هاته السلوكات، فإن هناك القليل الذي يشعر بـ”الحكرة” عندما يكون المواطن أو الفرد مصدرها، وذلك عندما يخرق القوانين ويريد فرض قانونه الخاص على المجتمع.
وهناك العديد من الأمثلة التي كان رجال السلطة فيها موضع “حكرة”، إذ تعرض عدد منهم إلى اعتداءات من قبل بعض الخارجين عن القانون، مثل الباعة المتجولين الذين يصرون على احتلال الملك العمومي ويعنفون كل من سولت له نفسه من رجال السلطة تطبيق القانون، كما أن هناك مسؤولين عن تطبيق القانون عنفوا لأنهم حاولوا منع أشخاص من البناء العشوائي، كما يتعرض رجال الأمن والقوات المساعدة إلى إهانات يومية من بعض من يعتبرون أنفسهم فوق القانون إما لمكانتهم الاجتماعية أو لجهلهم بالقانون.
وتتعدد الأمثلة، لكن نادرا ما نسمع احتجاجات ومسيرات للتنديد بهذا الصنف الثاني من “الحكرة”، الذي لا يمس رجل السلطة لوحده، بل المجتمع بكامله لأن القانون، في نهاية المطاف، يعبر عن إرادة الشعب.
لكن الدولة تعتبر المسؤولة الرئيسية عن هذا الوضع، إذ بتغاضيها وعدم الحزم في تفعيل القانون حولت العديد من الممارسات غير القانونية إلى حقوق مكتسبة “شرعية” يصعب انتزاعها، بل إن تطبيــق القانون يصبح نوعا من أنواع “الحكرة”. وهكذا يتم التطاول على أجهــزة الدولة وتضيع هيبتها، الضرورية لضمان الأمن والاستقرار للمجتمع. ونصبح أمام دولة رخوة بتعبيــر عالم الاجتماع السويــدي “غونار ميردال”، الذي كان أول من أطلــق هذا المصطلح في تحليله لنظم الحكم في الدول المتخلفة، وأوضح أن الدولة الرخوة ليست تلك التي لا توجد بها القوانين أو قوانينها متخلفــة، بــل هي تلك التي تتميز بأنها تتوفر على القوانين لكنها عاجزة عن تفعيلها وفرض احترامها على الجميع. واعتبر أنها سبــب أساسي لاستمرار الفقر والتخلف. والدولة الرخوة، في نظر “ميردال”، تساعد على أن ينتشر الفساد في مؤسسات هي بطبيعة وجودها جدار عازل ضد الفساد، لأن حكوماتها تصدر القوانين، لكنها في الغالب لا تطبقها.
يتعين أن يكون دعم دولة القانون وشرعية المؤسسات محط إجماع من الجميع وأن يتساوى الجميع أمام المقتضيات القانونية مهما كانت الظروف، ولا يمكن قبول التراخي في تطبيق القانون من أي مسؤول حتى لا نجد أنفسنا أمام دولة رخوة لا تقوى على تطبيق القانون، فتعم مظاهر الفوضى والتسيب.
عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى