fbpx
ملف الصباح

“الحكرة”… جواز المرور للانتقام

البعض يستغلها شماعة لتبرير أخطائه والدولة ساهمت في تجسيد ذلك الشعور

“لاشيء يجعلك عظيما إلا ألم عظيم،  فليس كل سقوط نهاية، فسقوط المطر أجمل نهاية، ولولا الأمل في الغد لما عاش مظلوم حتى اليوم “، كانت آخر الكلمات التي كتبتها مريم قبل أن تقرر وضع حد لحياتها بسبب “الحكرة” التي كانت تعانيها من قبل زملائها في المدرسة. لاشيء سوى أن القدر جعلها تقطن دور الصفيح “الكاريان”،  بسبب حالة الفقر التي كانت عليه عائلتها، ليصبح ذلك المأوى نذير شؤم عليها ويسبب لها المتاعب في حياتها اليومية، لم تجد معه بدا سوى أن ترسم النهاية لحياتها بطريقتها، تاركة وراءها أسئلة حارقة لعائلتها.

الإحساس ب”الحكرة “غالبا ما يدفع الشخص إلى إصدار ردود أفعال تتسم في الغالبية العظمى بالسلبية أو الانتقام تجاه الآخر وفي حالات كثيرة تجاه ذاته. فالسلوكات السلبية غدت تلك الفكرة حتى أصبح الكل يعلق شماعة أخطائه على شيء يسمى “الحكرة”، ويرى المهتمون أن ما يغدي ذلك الشعور هو بعض السلوكات التي تمارسها عدد من المؤسسات من خلال أجهزتها وإداراتها تحرص على الحفاظ على طابع الاستعلاء مقابل تقزيم المواطن وإذلاله وإشعاره بالدونية أمام “جبروت” إدارة تحرص على بناء هيبتها من خلال رموز الغطرسة عوض جودة الخدمات. ويشكل مفهوم “الحكرة” في هذا السياق النقيض الأمثل لمفهوم “الكرامة” و “الاحترام” و لمفهوم المساواة المرتكز على مبدأ المواطنة بدون تمييز أو إقصاء، بالنظر إلى اللون أو العقيدة أو العرق أو اللغة أو الجنس أو المستوى التعليمي أو المجتمعي.

ويرى المهتمون أن “الحكرة” سلوك يتربى عليه الإنسان، ويشكل مجموع صور نمطية جاهزة يؤسس عليها فعل احتقار الآخر خاصة عندما يتملك الشخص شعور بأن مركزه الاجتماعي أو الأسري هو “الأفضل”. إلا أن الخطير في ما يعرف بالاحتقار الذاتي الذي يكون نتاج عدم قدرة الإنسان على فهم عملية المقارنة مع الطرف الآخر، وهو ما يتولد عنه الإحساس بافضلية الآخر وبدونية الذات، ويكون ذلك الشعور هو البوابة لعديد من الجرائم التي يرتكبها الشخص تجاه نفسه في المرحلة الأولى أو تجاه المجتمع في صور أشخاص يحاول من خلالهم البحث عن الذات “المقهورة”، كما هو حال مصطفى الذي كان يعيش مع أبويه في قبو منزل أقرب إلى القبر، تعايش منذ صغره مع الوضع رغم حالة الفقر التي كان عليها، إلا أنه مع بداية المراهقة لم يعد يتقبل الأمر خاصة أمام عبارات التهكم والاستهزاء التي كان يتلقاها من جيرانه. لم يستطع أن يواصل تعليمه بسبب حالة الفقر التي كان عليها والده وعجزه البدني، والذي جعل من أمه معيل الأسرة بالعمل خادمة في المنازل، ما زاد الوضع تأزيما بالنسبة إليه، إذ غالبا ما كان يدخل في نزاعات مع أصدقائه، وأول سبة يتلقاها أنه ابن خادمة. كان يشعر ب”حكرة” ولا يستطيع الدفاع عن نفسه. ذلك الشعور دفع أصدقاءه إلى استغلاله، ليتحول الشعور ب”الحكرة” إلى رغبة في الانتقام. كان أول ضحاياه ابن الجيران الذي تنازع معه، فاستل اسماعيل شفرة ووجه له طعنات متتالية. لم يندم اسماعيل على ما اقترفه واعتبر الأمر محاولة لرد الاعتبار والانتقام من أشخاص “حكروه”، وعند الاستماع إليه من قبل القاضي المكلف بالأحداث، أكد أنه غير نادم على ما قام به وأنه لو تمكن ل”شرمل” كل أبناء الحي انتقاما منهم على ما اقترفوه.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى