fbpx
حوادث

دراسة: القضاء بين الاستقلالية والإصلاح

مبدأ الاستقلالية القضائية مرتبط ارتباطا عضويا بإصلاح تشريعاته وأجهزته ومؤسساته

يكاد يكون هناك إجماع على أن القضاء هو المعيار الحقيقي والثابت لمدى تطور الدول والمجتمعات ورقيها، وهو البوصلة التي تؤشر على أن سياسة البلاد إما هي في الاتجاه الصحيح الصائب، أو في الاتجاه الخاطئ المتعثر.

لما لهذا الجهاز من هذه الأهمية القصوى كان من الضروري إحاطته بالعديد من الضمانات التي تساعده على أداء دوره البارز في

نشر ثقافة العدالة النزيهة والحكامة المبنية على أسس موضوعية ومتينة.
وبديهي أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف الأسمى الذي يسعى إليه المجتمع برمته إلا بتضافر جميع الجهود لتقديم أفضل المقترحات والبحث عن أنجع الحلول وأكثرها عقلانية وإدراكا وفهما لحاضر القضاء المغربي وواقعه.
من هذا المنطق نقول – ونحن بصدد مراجعة شاملة للدستور المغربي – بأنه يتحتم علينا أن نعمل بجدية على إضفاء روح الحداثة والتجديد على مقتضياته بالقدر الذي يحقق تطلعات الشعب المغربي، ويرسخ مبادئ الديمقراطية الحقة، ويركز العدالة الاجتماعية في إطار منظومة متكاملة يسودها التفاهم والانسجام التام بين جميع مؤسسات الدولة ومرافقها العامة هدفها الأول والأخير هو تحقيق المصلحة العليا لهذا الوطن العزيز، والنهوض بدواليب الدولة والحكم الى المستوى المنشوذ.
ولما كان القضاء كذلك، وكان هو المرآة التي تنعكس عليها الصورة الحقيقية للمجتمع كما ألمحنا، فإن الاهتمام ينبغي أن ينصب عليه – وبحرص زائد – وذلك بجعل القضاء المغربي ليس فقط جهازا يضم أطرا قضائية يحكمها نظام أساسي خاص، بل سلطة قضائية تتمتع باستقلال تام وحقيقي بعيد عن أي وصاية أو تدخل من أي سلطة أخرى من سلطات الدولة، أو أي تأثير من أطراف أجنبية لا تمت إلى القضاء بصلة.
هذا مبدأ ومطلب مفروغ منه، وليس بالجديد على الفكر الإسلامي ولا على الفكر الغربي.
فرسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء أشهر وأبلغ من أن يعرف بها، وكلها مبادئ وتوجيهات عليا ترفع القضاء والقضاة إلى أجواء ومستويات لم تكن تحلم بها حتى أكثر النظم القضائية الغربية تطورا وحداثة.
كما أن كتابات علماء الاجتماع وفقهاء الحقوق في الغرب قد اسهمت في دراسة وبحث مبدأ استقلال القضاء، ونادت بتطبيق مبدأ فصل السلطات، وكتابات رسو ومونتسكيو في هذا المجال وبالخصوص مؤلفيهما: «العقد الاجتماعي» و»روح القوانين» لا تحتاج إلى تدليل.
كما أن جميع الدساتر العالمية بما فيها الدساتير التي توارت من المغرب منذ الستينات من القرن الماضي والى اليوم قد كرست مبدأ الاستقلالية ونصت عليه بالصريح.
وإطلالة سريعة على دساتير المملكة لسنة 1962 و1970 و1972 و1992 و1996 تجعلنا نخرج بمحصلة مفادها أن تلك الدساتير بخصوص الباب المتعلق بالقضاء – تكاد تكون نموذجا مكررا متطابقا في معناه ومبناه، بنفس المقاربات ونفس المصطلحات، مما يجعلنا نتواجه الآن حقيقة مع دستور 14 دجنبر سنة 1962 وليس مع دستور 7 أكتوبر 1996.
ولم أقف إلا على تعديل طفيف يتعلق بإحداث المجلس الدستوري الذي  له الاختصاص  δέΣε الذي كان للغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى مع اختلاف في تركيبته.
كما أن تلك الدساتير قد أوردت عبارة: «القضاء»، ولم تنص على مصطلح «السلطة القضائية» علما بأن هذا المصطلح الأخير هو الأبلغ في التغيير لما يحمله من دلالة الاستقلال الحقيقي، ولما يحمله أيضا من مفهوم الندية مع السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولذلك نوصي بإدراجه في الدستور الجديد.
إن تحقيق مبدأ الاستقلالية القضائية مرتبط ارتباطا عضويا بإصلاح تشريعاته وأجهزته ومؤسساته.
فالتشريعات هي المادة الحيوية التي تمد القضاة بمصدر الحياة، وهي الأداة التي يشتغل بها وعليها القضاة جميعا، فكلما كانت هذه القوانين من الدقة والسلاسة والوضوح كلما كان العمل القضائي مثاليا في عدالته ونزاهته وموضوعيته، ومحل ثقة جميع الأطراف، بل جميع أفراد الأمة بأكملها.
فالثقة في القضاء هي المرتكز الأساسي، فإذا ترسخت في الأذهان، وتيقن الناس أنهم أمام قضاء حام للحقوق، منصف في المظالم، متجرد في الأحكام، نكون قد حققنا الغاية، وقطعنا معظم المسافة للوصول الى الأهداف المبتغاة.
إن القوانين والتشريعات هي بمثابة خارطة طريق للقضاة والمتقاضين على السواء، لذلك يتعين إعادة النظر في العديد منها، والتي يرجع تاريخ بعضها إلى فترة الحماية، كما يتعين مراجعة العديد من المساطر التي يغلب عليها طابع العقم والتعقيد، ولست هنا في مجال ضرب الأمثلة على ذلك، لأن المقام لا يسمح بالتطرق للتفصيلات – وهي كثيرة جدا- تحتاج لجلسات وجلسات لدراسة وتتبع نصوصها بدقة وتفصيل.
ولما كان الدستور هو القانون الأسمى للدولة، وكان الدستور المغربي الحالي لسنة 96 قد نص في فصله الثاني والثمانين من الباب السابع على أن ملك البلاد هو الذي يرأس المجلس الأعلى للقضاء الذي يعتبر مؤسسة دستورية أوكل إليها المشرع مهمة تدبير شؤون القضاة والسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة لهم وفقا ما هو منصوص عليه في الفصول 84 وما يليه من الباب السابع من دستور المملكة، وأن هذا المجلس هو الذي يبت في كل ما يتعلق بالقضاة من تعيين وترقية ونقل وتأديب وغير ذلك: فإنه بات من الضروري إدخال تعديل على تركيبة هذا المجلس وذلك وفق الآتي:
ـ جعل الرئيس الأول للمجلس الأعلى خليفة للملك في رئاسة هذا المجلس بدلا من وزير العدل الذي يعتبر في الحقيقة ذا منصب سياسي وحكومي ينبغي أن يبقى بمنأى عن أي قرار يتخذ في حق القضاة أو يتعلق بهم، وذلك تحقيقا لمبدأ فصل السلطات، ورغبة في جعل القضاء بمعزل عن أي جهة لها طابع سياسو معين.
ـ إضافة قضاة آخرين كأعضاء في هذا المجلس يزيد قليلا عما هو مقرر حاليا، ويمثلون مختلف درجات المحاكم بما فيها المجلس الأعلى، وذلك بالقدر الذي يعطى مساحة أوسع لممثليه القضاة، ويحقق التوازن المطلوب بين كل الجهات.
كل ذلك يتم وفق ضوابط ومعايير تراعى فيها الأقدمية وصندوق الاقتراع بحسب الأحوال وبما يتم التوافق بشأنه.
ـ حصر تشكيلة هذا المجلس في رجال القضاء دون سواهم، لأن أي إقحام لعناصر دخيلة عليه سيعد خرقا سافرا لمبدأ الاستقلالية ذاته، والذي تنادي به كل الأطياف السياسية وهيآت المجتمع المدني بل والشعب برمته.
ونرد على من يدعو ويقترح إقحام عناصر أجنبية عن القضاء كأعضاء في هذا المجلس بحجة النزاهة والموضوعية والاقتدار بأن المؤسسة القضائية لا ينقصها شيء من ذلك، بل هي زاخرة برجال أكفاء، وقضاة تتوفر فيهم كل المواصفات المطلوبة، بل فيهم من يفوقها ويزيد عليها ورعا وعلما وإنكار ذات.
ولذلك أهيب بالسادة القضاة أن يقفوا وقفة حق، ويدافعوا بقوة عن هذا المبدأ لأنه يمس جهازهم القضائي في الصميم، ويجعل قضاة المملكة تحت وصاية عناصر دخيلة على القضاء، ولا تمت إليه بصلة، ذلك ان الإصلاح والتغيير ينبغي أن يتم من داخل البيت القضائي وليس من خارجه، وكما قيل: «أهل مكة أدرى بشعابها».
ومن هذا السياق أشير إلى أنه لا بأس من الاستعانة بأطر قضائية سابقة مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والعمل الجاد، وذلك باقتراح عنصرين أو ثلاثة تعرض أسماؤهم على ملك البلاد ليقرر في شأنهم، وذلك لإشراكهم في عضوية هذا المجلس، إن كان ذلك ولابد منه. وهنا أفتح قوسين للمتقاعدين من هذه الأطر القضائية، والذين غادروا المهنة في صمت دون أن يلتفت إليهم أحد وهم أجذر بالاستفادة من خبرتهم وثقافتهم ووطنيتهم.
ـ وضع نظام أساسي جديد للقضاة يبرز في شكله ومضمونه الصفة الاحترمية للقضاة سواء في ذواتهم، أو في المهام النبيلة الملقاة على عاتقهم والتي تستوجب إحلالهم المكانة المرموقة وفق ما هو متبع في جميع الدول المتقدمة فكريا وحضاريا.
ـ إزالة بعض العبارات والمصطلحات التي تضمنها النظام الأساسي الحالي والتي توحى لقارئه بأنه أمام نظام داخلي يتعلق بتلاميذ مدرسة إعدادية، لا بقانون يخص قضاة الدولة الذين يفترض فيهم أنهم فقهاء وعلماء وقدوة لهذا المجتمع.
ـ تغيير شامل للمساطر الجاري بها العمل سواء من حيث التعيينات والترقيات والتأديبات والانتقالات، وكذا مسطرة التنقيط التي تجعل القاضي في وضع محتشم أمام من سيقوم بتنقيطه خصوصا إذا كانت درجة القاضي ومستواه العلمي والوظيفي أكبر من الشخص الذي سيقوم بذلك.
كل ذلك وبالقدر الذي يجعل كل قاض في مأمن من أي هيمنة أو تجاوز أو تهميش من هذه الجهة أو تلك.
ـ اختصار سنوات الترقية وفق معايير موضوعية تجعل الأقدمية في السلك القضائي من أولوياتها وركائزها، وذلك حتى لا يتفاجأ القاضي وهو في نهاية عمره أنه مازال جامدا في درجته، متعثرا في مسيرته.
فكل قاض انطبقت عليه هذه المعايير يستفيد وجوبا من حقه في الترقي دونما تمييز ودونما ازدواجية في المعايير، فالكل سواء أمام القانون، ولا تفاضل بين القضاة إلا بالعلم الصحيح والفكر الثاقب، والعمل الدؤوب، والإنتاج الرفيع المستوى.
طبعا هناك الكثير والكثير من التنبيهات والملاحظات التي تحضرني في موضوع الاستقلالية والإصلاح، فالقضاء عنوان بارز تندرج تحته العديد من القضايا والمشاكل التي تنبغي معالجتها بعقلانية وحكمة وتبصر، وهو الملاذ الذي تلجأ إليه الدولة عندما تكثر بلاويها وتشتد مآسيها، وهو الجهة التي تتكفل بإحقاق الحقوق، وتوطيد دعائم العدالة، ومعاقبة كل من تسول له نفسه الخروج عن الشرعية، أو التلاعب بمقدرات الأمة.
فلنتوحد جميعا لنحقق هذه الطموحات، ولنمض بجهازنا القضائي قدما إلى الأمام في إطار من الأخوة والتراحم.

بقلم: أحمد الفقيه التطواني: قاض متقاعد ومحام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى