«الصباح» عادت إلى ״شارع الشجر״ واطلعت على وثائق ومحاضر وتراخيص ملف محفوف بـ״مناطق غموض״ لم تنته التحقيقات الأمنية والقضائية في حادث انهيار عمارة "شارع الشجر" بمقاطعة سباتة بالبيضاء، الذي خلف 4 قتلى و24 جريحا وتشريد أسر وأصحاب محلات ومقهى. المعلومات التي توصلت إليها "الصباح" تشير إلى احتمال استدعاء مسؤولين جدد من قبل الفرقة الجنائية الولائية للشرطة القضائية بولاية الأمن للاستماع إليهم في محاضر رسمية، قصد ملء الفراغات والإجابة على الأسئلة المعلقة التي مازالت تكتنف ملفا معقدا تتشابك فيه المسؤوليات والاختصاصات والمصالح مثل خيوط عنكبوت. والغاية تفادي تكرار سيناريو عمارات بوركون، إذ مازالت أسر بعض المعتقلين تردد في السر والعلن: "يديروها لكبار ويزلكو فيها الصغار". في الثامنة من كل صباح، يعود "با احماد" إلى محله الخاص بإصلاح الدراجات النارية والهوائية وبيع قطع الغيار الموجود أسفل المنزل الملاصق للعمارة المنهارة. يفتح "الريدو" ويـتأمل بضاعته وأدوات عمله التي طالها الغبار والإهمال، ثم يرفع رأسه إلى السقف، حيث نبتت أعمدة حديدية وضعتها شركة متخصصة السبت 7 غشت الجاري لتقوية المنزل ومنعه من السقوط. با احماد السيكليس لم يستوعب با احماد ما يجري بالضبط، وكيف تحول محله التجاري إلى جزء من مشكل لا ناقة له فيه ولا جمل، وحدها رياح سوء الطالع حملته، ذات يوم، أن يكتري هذا الدكان من صاحب المنزل المجاور ويصنع منه ورشا لـ"تسيكليت" يقتات من عائداته ويعيل أسرة مكونة من زوجة وأبناء. ساعة انهيار العمارة زوال الجمعة 5 غشت الجاري، كان با احماد منهمكا في عمله بمحله الملاصق للمقهى، قبل أن يسمع رجة كبرى أفزعته وأرغمته على الهرولة، مع مساعديه، إلى الخارج، حيث رأى بناية من أربعة طوابق وطابق سفلي وسطح تتكسر وتهوى من عل مثل كتلة ثلج في يوم قائظ. عاش العجلاتي جميع مراحل الإنقاذ ومسح عن محله الصغير الكثير من الغبار الناتج عن الانهيار وعمليات تقليب الأنقاض من أجل العثور على قتلى وأحياء ومصابين ومعطوبين، ومد يد المساعدة وقناني الماء لرجال الإطفاء، قبل أن يأتي من يخبره بإخلاء دكانه وتركه مفتوحا لأن عمال شركة خاصة متخصصة سيأتون لوضع دعامات حديدية وسطه، خوفا من انهيار محتمل للبناية، حيث يوجد. لم ينبس با احماد بكلمة، بل غادر إلى مكان قريب، وهو يتطلع إلى آليات الشركة وعمالها الذين "انتهكوا" محله وعبثوا بأدوات اشتغاله ومحتويات"كونطواره" وداسوا قطع الغيار البسيطة، في سبيل نصب أعمدة ضخمة وسطه تقوي دعامات المنزل وسارياته، وتمتد- عبر ثقوب كبيرة في السقف- إلى الطابق الأول، ثم الثاني والثالث. زوال الأحد 7 غشت الجاري، تعطى الإشارة الرسمية من قبل عامل عمالة مقاطعات ابن امسيك بانتهاء عمليات البحث وسط الأنقاض بعد التأكد من عدم وجود أحياء أو جثث أخرى تحتها، لتعلن الحصيلة النهائية في 4 قتلى و24 مصابا إصابات متفاوتة الخطورة. انسحبت المعدات الكبرى وفرق الإنقاذ وعدد كبير من رجال الأمن والسلطات المحلية وغادروا إلى حال سبيلهم، أمام أعين با احماد الذي ظل يردد في سره: "وأنا آش غادي ديرو معايا؟". سؤال حمله الرجل إلى قائد الدائرة وبعض أعوان ورجال السلطة، دون أن يتلقى أي جواب مقنع منهم يضع حدا لمأساته، ويعلن عن استئناف عمله في محل يعتبر المصدر الوحيد لزرق انقطع تقريبا، وتزامن ذلك مع العطلة الصيفية واقتراب عيد الأضحى والدخول المدرسي. يأتي با احماد كل صباح إلى مكان قريب من محله التجاري، حيث مازالت ترابط فرق من عناصر الوقاية المدنية قرب ثلاث سيارات مجهزة للتدخل، إلى جانب سيارات رجال الأمن والقوات المساعدة وطوق حديدي مضروب على العمارة المنهارة، حيث يجد السائقون والراجلون صعوبة في تجاوز هذا المحور الأساسي من "شريان" العقيد إدريس الحارثي. المكان شبه محاصر خوفا من انهيارات أخرى محتملة في العمارات المجاورة، خصوصا الأكثر قربا التي يوجد أسفلها "حانوت السيكليس" وقربه محل تجاري للمأكولات الخفيفة "محلبة" وبقال، كلهم طلب منهم المغادرة، أو توخي أقصى درجات الحذر إلى حين التأكد من زوال الخطر، أما سكان العمارة المنهارة ومكتروها فالله وحده ماذا فعل الزمن بهم، بعد أن نفذوا بجلدهم من موت محقق. هدوء قبل العاصفة الانتظار والخوف والترقب لا تحلق فقط فوق العمارة 166، أو عمارة "ازنهاور"، نسبة إلى صاحبها حماد خيبوش، بل تحلق أيضا فوق مكاتب الفرقة الاقتصادية والمالية الرابعة بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية بولاية الأمن، التي مازالت تحقق في حيثيات الحادث وأسبابه والمسؤولين عنه، إذ أسفرت العملية، إلى حد الآن، عن الاستماع إلى حوالي 30 شخصا، ووضع ثمانية في وضعية اعتقال إلى حين عرضهم على قاضي التحقيق لاستكمال تدابير التحقيقات التفصيلية. فبعد مرور أربعة أيام على التحقيقات، أمر عمر كاسي، قاضي التحقيق لدى ابتدائية البيضاء، الثلاثاء 9 غشت، بإيداع خمسة متورطين في انهيار العمارة، هم مالك العمارة وتقني تابع للجماعة التي تقع العمارة في نفوذها الترابي، وثلاثة مهندسين، ضمنهم مهندس معماري وآخر متخصص في الخرسانة المسلحة، ووجهت لهم تهم القتل والجرح غير العمديين الناتجين عن عدم مراعاة النظم والقوانين الجاري بها العمل في مجال التعمير وتسليم شهادات على سبيل المحاباة والارتشاء. واصلت الفرقة الجنائية الولاية تحقيقاتها بالوتيرة نفسها مع عدد من المشتبه فيهم، وأغلبهم من موظفي مقاطعات سباتة وبعض مسؤولي الأقسام بمجلس المدينة، إذ أسفرت الأبحاث عن قرار بوضع مسؤول في مكتب للدراسات رهن الاعتقال ليرتفع العدد في حدود 10 غشت إلى ستة معتقليـــــــن. قبل ذلك، توصلت الفرقة الاقتصادية والمالية الرابعة بالمصلحة الولائية بإرساليتين من وكيل الملك لفتح تحقيق مع مجموعة أخرى من مراقبي البناء ورئيسهم ورئيس قسم التعمير والممتلكات وعدد من ضحايا الحادث، إذ انتهت التحقيقات بتحرير محضري إيقاف في حق مراقبين اثنين وإخلاء سبيل الآخرين، ليرتفع العدد إلى حدود كتابة هذه السطور إلى 8 معتقلين، أودعوا سجن عكاشة في انتظار عرضهم على قاضي التحقيق فور انتهاء العطلة القضائية. وحسب الأخبار المسربة، فإن التحقيقات عادت إلى أربع سنوات إلى الوراء بحثا عن الخلل، وتحديد مسؤوليات المراقبة في بناء هش يفتقر إلى الدعامات الصلبة التي تساعد على إضافة أو تعلية طوابق جديدة، رغم أن تصميم التهيئة الخاصة بالمنطقة ينص على شكل طابق سفلي+4 طوابق بشارع إدريس الحارثي، لكن هل العمارة القديمة التي اقتناها "ازنمهاور" بطابق واحد من أصحابها الأصليين تحتمل كل هذا الثقل؟ مناطق غموض تصريحات بعض مراقبي البناء، أثناء الاستماع إليهم، تفيد أن صاحب العمارة حصل بتاريخ 21 نونبر 2013 على رخصة تحت رقم 77/2013 موقعة من حميد أمزا، نائب رئيس المقاطعة السابق المكلف بالتعمير، وتتعلق هذه الرخصة بتغيير تعلية الطابق الثاني من العمارة، علما أن تسليم رخصة بناء وتعلية تفرض وجود عدد من الوثائق التي يسلمها صاحب العمارة إلى السلطات المعنية، كما ينبغي على المستفيد من الرخصة القيام بعدد من الإجراءات واحترام مساطر منصوص عليها في قانون التعمير قبل فتح ورش الأشغال رسميا. من خلال تصريحات أكثر من مراقب بناء، ظهر ما يمكن وصفه بتنصل صاحب العمارة من الإدلاء بجميع الوثائق للمراقبين الذين قاموا بزيارة الورش، مرة بحجة غيابه عن موقع العمل، وتارة بتكليف مهندس بالمقاطعة بالأمر الذي توجد بحوزته هذه الوثائق، مثل دفتر الورش والتصاميم المعمارية وتصميم الخرسانة المسلحة والتصريح ببداية الأشغال. غياب دفتر الورش يعني، في عرف المراقبين والمهندسين وخبراء أوراش البناء، طمس الملاحظات المنتظمة وتواريخ الجهة الموقعة عليها، لتسهيل العودة إليها عند اللزوم وتحديد المسؤوليات في حال وقوع مشكلة، كما أن غياب هذا الدفتر يعني أن هناك جهة ما تقوم بخروقات ولا تريد الإشارة إليها. هذا الاستنتاج الذي وصل إليه المحققون كان لا بد أن يدفع ثمنه شخص أو شخصان، هما بالضبط مراقبا البناء (م.ج) و(ع.ب) اللذان جرى الاستماع إليهما في محضر قانوني، قبل إصدار أمر باعتقالهما على ذمة التحقيقات التفصيلية وتكييف التهم النهائية. المراقبان، وأحدهما هو (م.ج)، زارا الورش في 2014 مرتين، واحدة بمفرده، والثانية رفقة قائد المنطقة وأعوان سلطة وتأكدوا بما توفر إليهم من وثائق أن البناء سليم ويمر في ظروف جيدة، علما أن المراقب لا يشتغل في القطاع، حيث وقعت العمارة (الملحقة الإدارية 60 مكرر)، بل كان يعوض زميلا له كان في مهمة (الإحصاء). لأسباب مجهولة إلى حد الآن ستكشف عنها التحقيقات التفصيلية، ظل حماد خيبوش، صاحب العمارة الملقب بـ"إنزنهاور" يتمتع بحصانة وسط عدد من المسؤولين ومنتخبين وموظفين ومهندسين ومراقبين بالمقاطعة، لذلك كانت الزيارات التي يقوم بها بعض هؤلاء، بين الحين والآخر، صورية من أجل إنقاذ ماء الوجه فقط، بدليل أن لا أحد دقق حول ما إذا كان المقاول أدلى من أجل الحصول على رخصة البناء، بشهادة من مكتب دراسة، متخصص في الهندسة المدنية، تهم الدراسات التقنية المتعلقة بهيكل البناية ومدى قدرته على تحمل البناء الإضافي وأشغال التدعيم التي يتعين القيام بها، كما يتعين على المكتب إنجاز التصاميم التقنية وكيفية التدعيم. كما تطرح أسئلة عن لجوئه إلى خدمات مهندس معماري (من خارج المقاطعة) من أجل إنجاز التصاميم المعمارية، ووجود تصاميم تقنية تحترم المعايير المطلوبة، وعرضها على مكتب مراقبة للتأكد من دقة معطياتها، قبل أن يسلم لصاحب البناية بلاغ افتتاح الورش، الذي يعد ضروريا وإلزاميا لبدء الأشغال. رخصتان فقط! الواقع، أن تراكم الاختلالات وغض الطرف عن تجاوزات "ازنهاور" من قبل مسؤولين، حولاه إلى "وحش" بناء، بقدرة جبارة على اقتناء عدد كبير من الدور القديمة (طابــــــــق أرضـــــــــي+1) المنتشرة على نطاق واسع بمقاطعتي ابن امسيك وسباتة، ثم تحويلها إلى عمارات سكنية، بل كان يستطيع، في رمشة عين، الحصول على جميع الوثائق والتراخيص لتعلية وبناء طوابق جديدة، حتى وصل عدد المنازل التي يملكها بسباتة وحدها 7 مقسمة إلى حوالي 45 شقة، واحد منها يوجد أسفله روض أطفال. كان الرجل، في حال العمارة 166 بجميلة 3، ينفذ ثلاث عمليات متداخلة، اثنتان منها تتوفران على رخصتي بناء (واحدة تحت رقم 77/2013 مسلمة بتاريخ 21 نونبر 2013 تتعلق بتغيير تعلية الطابق الثاني، والثانية مسلمة من مجلس المدينة تحمل رقم APP431/2014 بتاريخ 4 غشت 2014 تتعلق بـتغيير الطابق الأول والثاني وتعلية الطابق الثالث والرابع)، والعملية الثالثة غير مرخصة (بشهادة رئيس قسم التعمير نفسه) شرع فيها المعني قبل أيام من حادث الانهيار في 5 غشت، وتتعلق بتعديلات في شقة لكرائها إلى طبيب، وما رافقها من تدعيم عشوائي للبناية بعمودين من الإسمنت المسلح. إعداد: يوسف الساكت (تصوير عبد الحق خليفة)