fbpx
حوادث

دراسة: تعليق على قرار المجلس الأعلى سقوط طلب النقض في القضايا الجنائية (1/2)

مدى إلزامية إيداع المذكرة لبيان أسباب النقض في القضايا الجنائية

لقد أثار انتباهي زميلي النقيب الممارس بطنجة إلى قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 12/7/2000 وهو الآن موضوع دعوى مدنية تتعلق بالمطالبة بالتعويض أساسها الخطأ المهني، لكون المجلس الأعلى لم يحكم لصالح طالب النقض..وقد أمدني الزميل المحترم بنسخة منه، ورغم أنه صدر في ظل قانون المسطرة الجنائية السابق،فهو ذو أهمية بالغة لما قد يحدثه من آثار

باعتباره أساس موضوع دعوى التعويض، مما حفزني للقيام بالتعليق عليه.

فهذا القرار الصادر عن المجلس الأعلى قضى بسقوط الطلب المقدم من الطاعن والحكم على صاحبه بالصائر وقدره مائتا درهم، على أساس أن طالب النقض قدم مذكرتين لبيان أوجه النقض الإلزامية خارج أجلهما القانوني، كما أن الشهادتين المسلمتين من كتابة الضبط لإثبات عدم احترام الأجل المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 353 من ق.م.ج السابق تعتبران ملغيتين لكونهما سلمتا قبل فوات أجل ثمانية أيام المنصوص عليها في الفصل المذكور، الشيء الذي يترتب عنه إبعاد المذكرتين من المناقشة والحكم بسقوط الطلب.  
ملخـص الوقائـع :
وتتلخص وقائع هذا القرار في أن أن طالب النقض كان متهما من أجل مسك ونقل وتهريب والاتجار في المخدرات الممزوجة بالتبغ، طبقا للفصلين الأول والثاني من ظهير 21/5/1974 وظهير 12/11/1932 وكذا تكوين عصابة إجرامية…الخ، وقد صدر ضده حكم جنائي من غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بطنجة بتاريخ 12 يونيو1996 في الملف الجنائي عدد 158/96/13 قضى عليه بسبع سنوات حبسا و 500.000 درهم غرامة نافذين وبأدائه تضامنا مع الغير تعويضا مدنيا لشركة التبغ مبلغه 200.000 درهم ومصادرة السيارة المحجوزة مرسيدس 220 لفائدة الشركة المذكورة وبمصادرة جميع الأملاك العقارية والمنقولة والمبالغ المالية التي يملكها لفائدة الدولة وببراءته من باقي التهم.
وقد قام المتهم بالطعن في هذا القرار عن طريق دفاعيه اللذين صرحا له بالنقض أمام كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف بطنجة كما قاما بإيداع مذكرتين لبيان أسباب النقض، الأولى بتاريخ 23 شتبر 1996 والثانية في 2 اكتوبر 1996 وذلك بعدما تسلما شهادتين من كاتب الضبط تثبتان عدم احترام الأجل المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 353 من ق.م.ج (السابق) الأولى بتاريخ 20 يونيو 1996 والثانية بتاريخ 21 يونيو 1996.
أسباب القـرار :
وقد ارتكز قرار المجلس الأعلى في تعليله على الفصل 579 من قانون المسطرة الجنائية (السابق) إذ بمقتضى الفقرة الأولى من الفصل المذكور يتعين على طالب النقض أن يودع، سواء عند تقديم تصريحه أو داخل العشرين يوما الموالية له بكتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت القرار المطعون فيه مذكرة يبين فيها الوجوه التي يستدل بها على النقض ويجب أن يمضي هذه المذكرة محام مقبول لدى المجلس الأعلى والا فيسقط طلبه، وانه في حالة عدم احترام الأجل المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل المذكور بعد تعديله تسلم شهادة من كتابة الضبط تثبت ذلك ولا يبتدئ الأجل المحدد إلا بعد إشعار طالب النقض من طرف كتابة الضبط بان القرار المطعون فيه موجود رهن إشارته. كما أن القرار ارتكز أيضا على أن الطاعن أدلى لبيان أسباب الطعن بمذكرتين الأولى بتاريخ 22 شتنبر 1996 والثانية بتاريخ 2 اكتوبر 1996 بواسطة محامييه المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى، إلا أن الإدلاء  بهما كان خارج الأمد القانوني، ذلك انه بمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 353 من القانون نفسه فان الرئيس وكاتب الضبط يمضيان على أصل الحكم أو القرار في ظرف أجل أقصاه ثمانية أيام من صدوره، فيكون آخر أجل لإمضائه هو 21 يونيو 1996، بينما الشهادتان المدلى بهما من كتابة الضبط مؤرختان في 20و21 يونيو 1996 الأمر الذي تعتبران معه سابقتان لأوانهما وبالتالي فلا يترتب عنهما أي اثر قانوني، وان الآجال تامة بقانون المسطرة الجنائية لا تشمل يوم الافتتاح ولا يوم الاختتام. وان طلب النقض الأول وعليه المعول في احتساب الأجل قدم بتاريخ 14 يونيو 1996 بينما المذكرتان لم تقدما إلا بتاريخ 23 شتنبر وثاني اكتوبر 1996 أي خارج الأجل القانوني مما يتعين معه إبعادهما من المناقشة والحكم بسقوط الطلب.
وهذا القرار يثير إشكاليتين اثنتين : الأولى تتعلق بمدى إلزامية إيداع المذكرة لبيان أسباب النقض في القضايا الجنائية.
والثانية: بمدى أهمية شهادة كتابة الضبط بكون الحكم أو القرار غير جاهز في القضايا الجنائية المنصوص عليه في الفصل 353 من قانون المسطرة الجنائية السابق.
أولا : مدى إلزامية إيداع مذكرة بيان أسباب النقض في القضايا الجنائية
تنص الفقرة الأولى من الفصل 579 من قانون المسطرة الجنائية (السابق) على مبدأ إلزامية إيداع مذكرة النقض داخل اجلها بقولها :”يتعين على طالب النقض أن يودع سواء عند تقديم تصريحه أو داخل أجل العشرين يوما الموالية له بكتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه مذكرة تبين الوجوه المستدل بها على النقض، ويجب أن يمضي هذه المذكرة محام أو مدافع مقبول لدى المجلس الأعلى وإلا فيسقط طلبه “. غير أن لهذا المبدأ استثناءات في موضوعه وفي أجله؛ أما الاستثناء في الموضوع فهو أن إلزامية إيداع المذكرة تكون اختيارية في جميع القضايا الجنائية، ويمكن توقيعها من طرف المحامي الذي آزر فعلا المدان ولو لم يكن هذا المحامي مقبولا أمام المجلس الأعلى  . وأما الاستثناء بالنسبة إلى الأجل فهو يتجلى في بداية احتسابه ؛ ذلك أنه في حالة عدم إمضاء الرئيس وكاتب الضبط أصل الحكم أو القرار في أجل أقصاه ثمانية أيام من تاريخ صدوره، فان أجل إيداع مذكرة النقض لا يبدأ إلا بعد إشعار طالب النقض من طرف كتابة الضبط بكون القرار المطعون فيه يوجد رهن إشارته.
وبطبيعة الحال لابد لهذه الاستثناءات من إثبات، فلابد من أن يكون موضوع الدعوى هو قضية جنائية وليست جنحية حسب وقائعها ووصفها القانوني، كما أن كون الحكم أو القرار غير جاهز لابد له من إثبات، بشهادة من كتابة الضبط تفيد أن ذلك الحكم أو القرار غير جاهز بعد المدة المطلوبة لهذا الغرض وهي ثمانية أيام، بالإضافة إلى شهادة كتابة الضبط بعد ذلك عن صيرورة الحكم أو القرار جاهزا وناجزا ويوجد رهن إشارة طالب النقض.
فإذا ما تم إثبات عناصر هذه الاستثناءات من المبدأ المذكور، فماذا يكون قرار المجلس الأعلى ؟.. أهو إبعاد مذكرة النقض من المناقشات وسقوط الطلب، أم هو البت في الموضوع والتطرق إلى جوهره؟
فقبل صدور القرار موضوع هذا التعليق كان اجتهاد  المجلس الأعلى مستقرا في هذا المجال ؛ ذلك انه تواتر في قراراته المتعلقة بالقضايا الجنائية على اعتبار أن تقديم مذكرة لبيان أسباب التصريح بالنقض في القضايا الجنائية أمر إلزامي تحت طائلة السقوط إلا في الجنايات، وبالنسبة إلى المحكوم عليه طالب النقض دون سواه، معتبرا أن إقصاء المذكرة من المناقشة لا يحول دون النظر في جوهر الطلب طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 579 من ق.م.ج (السابق) لأن الطاعن محكوم عليه من أجل جناية.

بقلم: النقيب الطيب بن لمقدم: محام بهيأة الرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى