هدوء الفضاء وطبيعته الخلابة تغري بالزيارة لكنه محتاج إلى التفاتة تنقذه من كارثة بيئية يمتلك منتجع عين السلطان بإيموزار كندر أو "مدينة الشلالات"، كل معالم الجمال وصوره الفاتنة التي تستهوي آلاف الزوار من مختلف المدن والأقاليم، ممن يجدون في مياهه ومناظره الخلابة، متنفسا طبيعيا لقضاء عطلتهم الصيفية أو بضع ساعات من أيام صيف قائظ فاقت فيه درجة الحرارة، كل التوقعات. إنجاز: حميد الأبيض (فاس) لم يمنع واقع إهماله تدفق الزوار المفتتنين بجماليته النادرة وما يوفره من فرص الاستجمام المجاني على طول الوادي الممتد من منبع العين إلى قلب هذه المدينة الفاتنة المصنفة وإفران ضمن أكثر مدن الأطلس المتوسط استقطابا للسياح سيما المغاربة، الباحثين عن برودة قد لا تتوفر في مختلف شواطئ المغرب الممتدة على طول بحريه. بوابة الانتعاش تنخفض درجة الحرارة الخانقة على طول مسافة الطريق بين فاس الملتهبة وإيموزار كندر الباردة، المكتظة بعشرات العربات المزدحمة بشكل كادت تلتصق ببعضها، سيما عند مدخل مدينة الشلالات الغاصة شوارعها بآلاف الزوار في نهاية أسبوع أبعدت فيها الحرارة، عشرات الأسر من ديارها سيما بالمدن المجاورة بصفرو وفاس وناحيتيهما. ما أن تطأ قدماك أرض هذه المدينة الهادئة القابعة أسفل جبال شامخة شموخ أهالي المنطقة وتاريخها، حتى تحس بأجواء طبيعية غير مألوفة في بلدتك. برودة مغرية وجو معتدل وطقس جميل يعاكس ما عليه الأمر بباقي المدينة، إلى درجة تسجيل تساقطات مطرية صباح يوم كانت فيه أصداء الحرارة المفرطة، منتشرة على نطاق واسع. بين محطة سيارات الأجرة ووسط المدينة وبينهما حديقة جنان السبيل الفاتنة بمياهها وأشجارها الوافرة، يطالعك شباب بحركات ترحاب وتحريك مفاتيح شقق مفروشة ومجهزة معدة للكراء بأثمنة التهبت بحلول فصل الصيف، إلى حد عانقت فيه مبالغ خيالية تفوق 500 درهم لليوم الواحد، أمام عدم كفاية الفنادق لاستيعاب كل الوافدين. غالبية الأسر تستنسخ حكمة النمل العامل صيفا لتوفير مؤونة شتائه. تخلي منازلها وتفتحها في وجه سياح مغاربة وأجانب مستعدين لدفع أموال يدخرونها لشتائها البارد الذي يقل فيه مدخولها وتزداد فيه معاناتها مع البرد ومتطلباته والمعيش اليومي ومرارته في ظل انسداد آفاق العيش الكريم. حركة دؤوبة الشارع الرئيسي وما تفرع عنه من شوارع وأزقة، غاصة بالمارة والعربات إلى حد الاختناق. كل المقاهي والمطاعم مختنقة بزبنائها الذين يمتعضون من استغلال أصحابها، للظرف للزيادة غير المشروعة في الأسعار، ما يسيء إلى سمعة المدينة وأهلها، ويتطلب تدخلا لحمايتهم من جشع المضاربين ممن يغلبون مصلحتهم على مصلحة مدينتهم الصغيرة. مهن موسمية تناسلت بشكل لافت للانتباه بكل المواقع حيث تطالع الزائر عربات بها كل ما لذ وطاب مما تنتجه المنطقة من فواكه وخضر. سلال الخوخ والعنب والبرقوق متناثرة على طول زنقة خلفية لمعرض دأبت المدينة على احتضانه كل صيف مساهمة في إنعاش مدخول الحرفيين والصناع التقليديين ممن ينتظرون هذه الفرصة التي لا تعوض. بمدخل هذا المعرض التجاري الحاوي عشرات الخيام، تكتشف نماذج لإبداعات الصانع التقليدي الأمازيغي، في شكل مجسمات خشبية تغري الزائر بشكلها رغم أثمنتها الملتهبة، كما مختلف المعروضات من ألبسة تقليدية وأفرشة وكتب، فيما بدت خيام في ذاك الزوال، مغلقة في انتظار ليل تنتعش فيه الحركة التجارية بشكل مهم. الربح هاجس العارضين كما أصحاب المتاجر ممن حصن بعضهم محلاتهم بكاميرات مراقبة خوفا من سرقتها في ظل زحف بعض "المنحرفين" على المدينة، دون أن يقبر ذلك هدوءها وطمأنينة زوارها ممن يتجولون في الضايات والغابات دون خوف رغم ضعف الحضور الأمني بعدة مواقع سيما في اتجاه منتجع عين السلطان. جولة استطلاعية من قرب ضاية على يمين الطريق الرئيسية إلى إفران، حيث هام مئات الأشخاص في غفوتهم، انطلقت جولة الزائرين في اتجاه منتجع عين السلطان السياحي، قبلة الزوار من كل أنحاء المغرب وخارجه، بحثا عن الراحة والاستجمام اللذين قد لا يتوفران في غيره من المنتجعات رغم واقع الإهمال واللامبالاة الذي يعيشه ويمكن الوقوف عليه ميدانيا. أشعة الشمس مغرية بما رسمته من لوحات طبيعية بين الأشجار الوارفة على طول المسافة بين مركز المدينة والمنتجع معشوق الجميع لجماله الأخاذ وهدوئه النادر ومياهه الباردة مغرية الأطفال والشباب الذين اختاروا السباحة فيها، رغم واقع تلوثها ببقايا النفايات والأوراق المتناثرة من الأشجار المجاورة لمجرى الوادي من المنبع إلى المدينة. طغا مآل هذا المنتجع الفاتن الذي لم يبذل مسؤولو المدينة أي مجهود فعلي لتنظيفه وتنظيمه وتجهيزه بما يغري الزوار وإعادة الحياة إليه بشكل يساهم في تنمية مداخيل الجماعة المحلية، وما وصل إليه من تدني وإهمال لم يحد من الإقبال عليه، على حديث الصديقين مسترجعين زمنا جميلا منحفرا في ذاكرتيهما أيام زياراتهما المتكررة إليه. على جنبات الوادي حولت الأسر الزائرة مواقع في جانبيه، إلى مطابخ مفتوحة لإعداد وجبات غذاء أفرادها البادية ملامح السرور والبهجة على وجوهم، أو تناولها في أجواء عائلية لم تخل من مرح وتنكيت، فيما اختار الأطفال اللهو بما توفر لهم من كرات وألعاب، أو السباحة بالمياه الباردة الوحيدة القادرة على إطفاء حرارة أجسامهم الملتهبة. النظافة... الغائب الأكبر يزداد رقم الزوار ارتفاعا بمزيد التوغل في أرجاء الوادي صعودا في اتجاه المنبع، سيما ما بعد القنطرة وقبلها حيث الإقامات الفاخرة محروسة من قبل حراس بزي عسكري، رغم ما قد توحي به المشاهد من فوضى عارمة لم تمنع من توفر كل أجواء الهدوء والاسترخاء لزائر لا يهمه إلا قضاء أوقات جميلة يتخلص فيها من عبء الهم اليومي المضني. الزمن الجميل مظاهر التلوث وغياب النظافة بادية على طول الوادي، في غياب التفاتة رسمية للأمر، اللهم من التفاتة بيئية دشنتها جمعية محلية للمحافظة على البيئة والثروات البيئية والمساحات الخضراء بعين السلطان، التي اختارت حديقة الحسن الثاني لرفع واقع الإهمال عنها، بعدما بهت بريقها المميز بأزهار وورود من الزمن الجميل. رغم كل مظاهر العبث والفوضى، فتلك المناظر الطبيعية الخلابة وما يتوفر من هدوء نادر مفعم بسكينة الفضاء، يغري الزوار، برأي رضا الشاب العشريني ابن فاس الذي اختار قضاء ذاك الأحد رفقة أصدقائه في جولة ممتعة أبعدتهم عن أجواء العاصمة العلمية الخانقة بحرارتها، ولم تكلفهم إلا ثمن الطاكسي ودجاجة "محمرة" أعدتها أم أحدهم. هذا الارتياح لم يقنع زميله إدريس الذي تمنى حضورا أمنيا كافيا بالمنتجع ومحيطه حفاظا على سلامة زواره الذين يعدون بالآلاف سيما في نهاية كل أسبوع، مؤكدا استغرابه لغياب القوات المساعدة والدرك على طول الوادي، باستثناء عنصرين بزي مدني، شوهدا عند مدخل المنتجع من جهة القنطرة، على متن دراجتين ناريتين. أشجار وارفة بدا هذا المنتجع الجميل في تلك الظهيرة غاصا بمئات الزوار، سيما ما بعد القنطرة، إذ اصطف عشرات الشباب من الجنسين، عارين إلا من ملابس السباحة، مستعرضين صورا للتنافس في الغطس وإبراز المهارات الشخصية راسمين لوحات فنية رائعة زادتها أشعة الشمس المتسللة من بين الأشجار الوارفة، روعة وجمالا. كل الحقينة تحولت إلى مسبح مفتوح لاستعراض المهارات أمام أعين جمهور غفير افتتن بحركات السباحين أو انشغل بإعداد وجباته الغذائية أو اقتناء حلويات وذرة مقلية أو ركوب حصان بمقابل، دون القوارب التي اختفت من الحقينة عكس ما كان الأمر في سنوات سابقة، كما نساء اختصنت في إعداد أطباق "الملوي" و"الحرشة" و"الطاجين". الاختفاء طال عادة كراء مختلف الفضاءات والحصير لجلوس العائلات تحت ظل الأشجار، بعدما تحولت سابقا إلى أمكنة للكسب من قبل شباب حول الشلال إلى ما يشبه الملكية الخاصة التي تدر عليه أموالا من ذلك وتزيين الفضاءات لأخذ صور للذكرى من قبل زوار مغلوب على أمرهم، لم يسلموا من الابتزاز في سنوات سابقة. لكن ذلك يجب ألا يخفي حقيقة ما يعيشه الشلال من ظواهر تحتاج إلى تدخل رسمي، من قبيل إحاطتـــه بالعنــاية اللازمــة وتنظيفه وتزيينه وحمايته من التلوث الذي يهدده بكارثة بيئية ما لم يلتفت إليه من قبل مسؤولي البلدية الذين لهم في المنتجع مورد مالي هام قد ينعش ميزانيتها إن أحسنوا تدبير الموضوع.