المسابح بخريبكة وبرشيد سقطت من أجندة المجالس المنتخبة والسلطات لا مبالغة في وصف بعض المسابح بـ"برك العار"، إذ تستقبل أكثر من طاقتها الاستيعابية، وتحولت في ظل غياب شروط المعالجة الصحية، إلى مشتل أمراض نموذجي، أو أحدثت بأسعارها الباهظة، حواجز استحال على محدودي الدخل تجاوزها. "السباحة ودونها الموت"، شعار يومي يحمله الصغار في بعض المدن الداخلية، التي حرمت وقائع الجغرافيا سكانها مجانية الاستفادة من البحر، لغاية التخلص من حرارة ما فتئت تشتد وطأتها بتقدم أيام فصل الصيف. مثل خريبكة وبرشيد يكابد أهلها الصعاب يوميا لغاية تدبير هذا الموسم، في ظل إسقاط مشاكل الاصطياف والترفيه من جداول أعمال المنتخبين والسلطات المحلية بالمنطقتين، فالمسبح البلدي بعاصمة الفوسفاط ما زال مغلقا للسنة الثانية على التوالي، فيما تحاول المسابح الخاصة تعويض غياب مسبح عمومي بالمنطقة الثانية، التي أصبحت امتدادا للتوسع العمراني والسكاني للبيضاء خلال السنوات الأخيرة. انتشرت الفيديوهات والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، توثق لحالات ازدحام غريبة أمام المسابح، لم تفلح في تحريك المسؤولين إزاء هذا المشكل الاجتماعي. انجاز: بدر الدين عتيقي - تصوير: أحمد جرفي (موفدا الصباح إلى خريبكة) إذا كانت اسطنبول مدينة الألف مئدنة، فخريبكة حاضرة الألف مقهى. لا تكاد تمر على واحدة حتى تصادف أخرى، وأنت تتجول بالمدينة التي شيدت فوق الفوسفاط، واحتفظت بزخم البادية في محيطها، وكذا في لكنة أهلها. وسط المدينة يحتضن ذروة الحركة والرواج، خصوصا حي المحطة، الذي يمثل تجمعا تجاريا مثاليا، بوجود عدد كبير من المتاجر والمطاعم. لوحات ترقيم السيارات الأوربية، تحديدا الإيطالية، تربك زائر المدينة، إلا أن الاحتكاك ببعض السكان المحليين، يطرد الدهشة ويزيل الحيرة والاستغراب، فالهجرة إلى إيطاليا، لطالما شكلت مورد رزق لشباب المنطقة وأسرهم، ذلك أن العمل بمناجم الفوسفاط أو الهجرة، يرهنان مستقبل أبناء المدينة. محدودية الاختيار لا ترتبط بالمستقبل المهني، فأبناء خريبكة أمام خيارات ضيقة عند الاصطياف كذلك، مع استمرار إغلاق المسبح البلدي للسنة الثانية على التوالي، وإسقاطه من جدول أعمال المجلس البلدي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، وهو الأمر الذي يعلق عليه حسن، فاعل جمعوي بسخرية، قائلا، "كيفاش بغيتي لبيجيدي يتفكروا لينا المسبح"، في إشارة إلى مشاكل أكبر تواجه السكان، إلا أن هذا الموقف لن يروق الفتية الصغار الذي يرابضون أمام مسبح بحي البيوت منذ ساعات الصباح الأولى، إذ يرون في السباحة حقا ومطلبا لا محيد عنه، وهم يتحفزون لفتح بوابة المسبح، الذي يمثل الملاذ الوحيد من الحرارة في المدينة، في ظل بعد المسافة التي تعوق الولوج إلى مسبح بولنوار، الذي يؤجره المجلس لأحد المقاولين. "الزكوبورا" للسباحة الثمن عشرة دراهم، وجموع الأطفال يمسكون بقطعهم النقدية بعناية، فالأداء قبل الاستفادة، منطق تجاري لا يقبل الجدل. تمر الدقائق سريعا، وتجلد أشعة الشمس المنتظرين دون رحمة، قبل أن يتم فتح باب المسبح في حدود الحادية عشرة صباحا، ليتدفق في اتجاه البوابة، التي تضم منفذا لحاملي بطاقات الاشتراك، ومنفذا آخر للمؤدين نقدا، عشرات الأطفال وأسرهم، علما أن الأمهات تستفدن من مجانية الدخول. في الداخل كما بالخارج، تنضح أحواض السباحة الثلاثة بمرتاديها، فيما تستظل الأسر فوق شريط مغطى من العشب، تراقب لهو أطفالها بالماء، بينما ضربت الموسيقى الصاخبة طوقا على المكان، وحولته إلى مهرجان احتفالي، على غرار "كرنفالات" أمريكا اللاتينية. بعض الأطفال لم يحركوا ساكنا عند "هجوم" نظرائهم على البوابة لحظة فتحها، واكتفوا بالمشاهدة عن بعد، في انتظار الاستفادة من تخفيض مهم، تحت مسمى "الزكوبورا"، وهو المفهوم التجاري الذي يقوم على الاستفادة من التخفيض في إطار المجموعة، ذلك أنه عند دخول خمسة أطفال دفعة واحدة إلى المسبح، يؤدون مبلغ 40 درهما عوض 50، أي أن أحدهم سيدخل مجانا، وهو الأمر الذي يعلق عليه عادل، الفتى المراهق، بنبرة الواثق، "احنا كنتسناو حتا ندخلو مجموعين بلا ريال بلا جوج". الأمر الذي يفسره مسؤول بالشركة التي تدبر المسبح، بحالة الاكتظاظ التي تتفاقم سنويا، ذلك أن دفتر التحملات الموقع مع المجمع الشريف للفوسفاط، يفرض دخول 500 شخص يوميا فقط، في الوقت الذي يتجاوز الطلب هذا السقف بكثير. يسترسل عادل ورفاقه، في الحديث عن دخول أعداد كبيرة من الفتيان قبل موعد إغلاق المسبح يوميا، الذي يصادف الرابعة عصرا، وذلك بتخفيض في سعر الدخول أو مجانا، والأمر نفسه بالنسبة إلى مسبح الفوسفاطيين الخاص بكبار الأطر، والذي لا يفتح إلا لمحظوظين، ممن دفعوا 30 درهما لغاية التسلل إلى الفضاء وإشباع الرغبة في السباحة في ظروف "إنسانية". الكلفة الباهظة بالنسبة إلى سكان خريبكة وبرشيد، فكلفة الدخول إلى المسبح تظل باهظة، بالنظر إلى متوسط القدرة الشرائية في المنطقتين، فمسبح بولنوار، الذي يعرض سعر 7 دراهم صباحا و10 عند الثالثة عصرا، لا يتردد في رفع السعر إلى 15 درهما و20 عند اكتظاظ المسبح، الذي يكابد الفتيان الأمرين لبلوغه، بسبب بعد المسافة عن وسط المدينة، بخلاف مسبح الفوسفاط الواقع في حي البيوت، وبالتالي فنفقات التنقل تفاقم تكاليف السباحة والتنعم ببعض الانتعاش خلال الأيام القائظة، وهي الصورة التي تزيد حدتها، عند الحديث عن أسعار 70 درهما أو 80، المعروضة من قبل مسبحين خاصين في المدينة المحاذية للبيضاء. يتعلق الأمر بمسبح لم يؤثر بعد موقعه عن وسط المدينة في توجهه التجاري، بخلاف المسبح، الذي تدبره شركة خاصة، بتفويض من المجلس البلدي. موسم الأمراض الجلدية تحدث مسؤول بشركة تدبير مسبح المجمع الشريف للفوسفاط، عن تسبب حالة الاكتظاظ بالمسبح في انتشار مجموعة من الأمراض الجلدية خلال الفترة الماضية، قبل أن تبادر الشركة لتعزيز إجراءات المراقبة في ما يخص معالجة المياه بالكلور، واحترام الضوابط المعمول بها في هذا الشأن، وهو الأمر الذي أكدته مجموعة من الفتيان، الذين استقت "الصباح" آراءهم، إذ استرسلوا في الحديث عن إصابة بعض الأطفال بأمراض خطيرة خلال السباحة، كلفت أسرهم علاجات باهظة.