fbpx
منبر

موقع شمال الصحراء من الجهوية الموسعة والحكم الذاتي

أغلب قادة جبهة بوليساريو المؤسسين يتحدرون ميلادا وأصلا عائليا من شمال الصحراء

تسعى هذه الورقة حول موضوع “موقع شمال الصحراء من الجهوية الموسعة والحكم الذاتي” إلى طرح قدر من الأسئلة تساعد في استخلاص العناصر التي قد تسعف في تلمس مدخل مقبول لفهم الموضوع، ومنحه ما يستحق
من العناية والاهتمام، ذلك أن الإجابة النهائية عن السؤال تتحكم فيها عوامل منها ما هو داخلي، ومنها ما هو خارجي، وإن كانت تتعلق في مجملها بقضية الصحراء، وهي عوامل لا يملك الباحث الأكاديمي
إلا مناقشتها وتحليلها دون القدرة على الجزم بأي منها سيكون حاسما في الإجابة. تتعلق العوامل في جانب منها بدولية الصراع حول الصحراء (أولا) وبما يمكن أن يشكل موقف بوليساريو من هذه المناطق من جهة أخرى (ثانيا)، وبين هذا وذاك موقف المغرب من المناطق نفسها (ثالثا)، لكن قبل ذلك، نوضح بأن عبارة شمال الصحراء الواردة في العنوان، هي عبارة جغرافية، ولا تحمل بالنسبة لنا أية حمولة سياسية، والمقصود بها هي المناطق التي تمتد من شمال الطاح (على بعد 25 كيلومتر من العيون الساقية الحمراء) إلى حدود جهة كلميم السمارة، مع استثناء مدينة السمارة يضاف لها في هذه الدراسة مدينة سيدي إيفني التي توجد غرب مدينة كلميم باب الصحراء.
أولا: أثر البعد الدولي لقضية الصحراء على وضعية مناطق شمال الصحراء.
لم يعد أحد اليوم يجادل في مسألة دولية قضية الصحراء، إذ أن مجرد وجود ملفها داخل ردهات المنظمة الدولية للأمم المتحدة يمنحها هذا الوصف بامتياز، فما بالك بوجوده على طاولة اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الاستعمار، والتي أصدرت بشأنه عدة توصيات ظلت ترفعها إلى الجمعية العامة للمنظمة منذ نشأة النزاع، وظلت هذه الأخيرة تصدر بشأنها التوصية تلو الأخرى متوجهة إلى مجلس الأمن الذي يعتبر أعلى هيأة وأقواها في هذه المنظمة، هذا المجلس الذي كان يتعامل مع الملف بناء على الفصل السابع من ميثاق المنظمة، وهو الفصل الذي يسمح بتدخلها المباشر لحل النزاعات في حالة وجود ما يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالأمن والسلم الدوليين، إلى أن اقتنع بعدم جدوى فرض حل لن يرتضيه أطراف النزاع فتحول إلى إعمال الفصل السادس من الميثاق نفسه الذي يسمح باستعمال الوسائل السلمية لفظ المنازعات، مع ما أثاره هذا التحول من تحفظات لدى جبهة بوليساريو، وهي التحفظات التي كانت موضوع رد من قبل الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المرفوع إلى مجلس الأمن في سنة 2006، وأصدر بالتالي مجموعة من القرارات كان آخرها يحث الأطراف على التفاوض من أجل إيجاد حل متوافق عليه بينهم ويضع حدا نهائيا للنزاع.
كل هذا إذا ما أضيف إلى وجود البعثة الأممية مينورسو المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار، بعد أن كلفت في وقت سابق بتحديد هوية من سيشاركون في الاستفتاء من أجل تقرير المصير تنفيذا لمخطط التسوية المقترح من قبل منظمة الأمم المتحدة، والذي لم يكتب له النجاح بالكامل، رغم أنه نجح في وقف إطلاق النار وعودة أسرى الحرب وخروج المعتقلين السياسيين من السجون، وأضيف إلى تدخل منظمة الوحدة الإفريقية من خلال اعترافها بجبهة بوليساريو كدولة كاملة السيادة، الأمر الذي أدى إلى انسحاب المغرب منها ومشاركتها في عملية تحديد الهوية المتحدث عنها أعلاه، يؤدي إلى الجزم بدولية هذا الصراع، وهو الأمر الذي ينزع صلاحية التقرير فيه من يد طرف واحد دون الآخر، وبالتالي، فإنه ليس لأحد الأطراف أن يحدد النطاق الجغرافي للمنطقة المعنية بهذا النزاع بشكل منفرد.
هذا النطاق الذي تحددت معالمه دوليا من خلال الحدود التي سلمت اسبانيا إدارتها للمغرب وموريتانيا بعد خروجها من المنطقة سنة 1975 بموجب اتفاقية مدريد الثلاثية، وهي كالتالي: الطاح شمالا والحدود الموريتانية شرقا وجنوبا وغربا المحيط الأطلسي. وبالتالي، فإن وضعية مناطق شمال الصحراء (طرفاية، طانطان، كلميم، أسا، الزاك، إيفني) لا يمكن أن يتم الحديث عنها باعتبارها مناطق يشملها الصراع في بعده الدولي، وكل ما يشمل أو ينطبق على منطقة النزاع لا يمكن أن ينطبق على هذه المناطق على الأقل من الجانب القانوني في بعده الدولي.
ومن هذا المنظور، قد تبدو الإجابة على السؤال عنوان المداخلة سهلة للغاية، وهي عدم ربط مصير هذه المناطق بمصير منطقة النزاع وعدم تطبيق الحل (أيا كان هذا الحل: حكما ذاتيا أو الاستقلال عن المغرب أو الانضمام إليه)، الذي سيتم التوصل إليه لحل النزاع عليها، وإنما ينطبق عليها ما ينطبق على باقي المناطق المغربية غير المعنية بالصراع، غير أن الوضع هو أعقد من ذلك بكثير، باعتبار موقف بوليساريو والمغرب من المنطقة، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة قد تجعلنا نعيد النظر في هذا الاستنتاج البسيط.

موقف بوليساريو من علاقة مناطق شمال الصحراء بالصراع

لم يكن بوليساريو واضحا بما يكفي لتبيان موقفها النهائي من الموضوع، ففي أدبياتها وإعلامها كجبهة ظلت تتغنى بهذه المناطق وسكانها وبتاريخها وبصحراويتها، كما أن أغلب قادة جبهة بوليساريو المؤسسين، سواء منهم الذين عادوا أو الذين ما زالوا يشكلون النواة الصلبة لهذه الجبهة حتى اليوم، يتحدرون ميلادا وأصلا واستقرارا عائليا لمناطق شمال الصحراء، الأمر الذي دفع العديد من أفراد أسرهم بالمعنى الواسع للعائلة بمفهوم سوسيولوجيا سكان الصحراء إلى الالتحاق بهم في مخيمات تندوف ولحمادة، هذا بالإضافة إلى أن الجميع يعلم بأن الشرارة الأولى للنزاع حول الصحراء كانت انطلقت من طانطان، حينما خرج مجموعة من أبنائها وأبناء المناطق المجاورة (واد نون شمالا والسمارة في الجنوب الشرقي) في مظاهرة للمطالبة بخروج المستعمر الإسباني عن باقي المناطق التي كان لا يزال يستعمرها، فتم قمعهم بالمطاردة والاعتقال إلى أن تلقفتهم جهات (إسبانيا نفسها والجزائر وليبيا) كان من مصلحتها أن تمسك ورقة ضغط ضد المغرب تستعملها لحماية مصالحها، فكان لها في هؤلاء الشباب ما أرادت، مع كل هذه المعطيات، إلا أن بوليساريو في علاقته بهذه المناطق ستظل محكومة بمجموعة من الاعتبارات التي لا يمكن أن تغيب عن ذهنها، وهي يحاول مقاربة أي حل يمكن أن يتم التوصل إليه مع المغرب، هذه الاعتبارات تختلف باختلاف الوضع في حالتين:
ففي حالة عدم انطباق هذا الحل على مناطق شمال الصحراء وسكانها الذين يتوفرون على امتداد دموي واثني وتاريخي وثقافي مع سكان مناطق النزاع، هذا الامتداد الذي يجد أصله في التاريخ الجمعي لسكان كلا المنطقتين، باعتبار أن هؤلاء السكان ينتمون كلهم وفي المنطقتين لنفس المجموعات القبلية (تكنا، الرقيبات، أولاد دليم والشرفاء وباقي القبائل الأخرى) ولنفس القبائل، بل ولنفس العروش والأفخاذ وأحيانا كثيرة لنفس العائلات، هذا المعطى البشري والاجتماعي سيجعل بوليساريو في وضعية صعبة جدا ، من حيث التعامل مع الوحدويين سواء في جنوب الطاح أو في شماله، هذا الأخير الذي سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن أعلن في أحد خطبه بأنه في حالة استقلال الصحراء عن المغرب، فإنه سيجعل من سكان مناطق شمال الصحراء جبهة خلفية للمغرب يمكنها أن تتكفل بمحاربة بوليساريو والتنغيص عليه.
كما أن سكان شمال الطاح سيرون في أي حل سيطبق على مناطق النزاع امتيازا منح لسكان مخيمات تندوف ولحمادة وسكان مناطق النزاع الآخرين حرموا منه بدون مبرر معقول.
أما في حالة تطبيق الحل الذي سيتم الاتفاق عليه لحل النزاع في الصحراء على مناطق شمال الطاح، فإن بوليساريو ستعاني منافسة شرسة على القيادة والتسيير لشؤون المنطقة ككل من قبل أبناء هذه المناطق، بسبب النسبة المرتفعة للأطر، مقارنة بباقي المناطق الأخرى، مقارنة بسكان المخيمات، كما ستعاني وجود فئة غير قليلة تعتبر علاقتها بالمغرب ككل من المقدسات التي لا يمكن المجادلة فيها وسيظل ولاؤها الأول للمغرب وملوكه، هذا ناهيك أن سكان هذه المناطق كما باقي مناطق الصحراء ألفوا طرق التسيير والإدارة المغربية، وبالتالي سيكون من الصعب عليهم التعامل مع من ألف نظام المخيمات وطرق تسييرها التي ستعود بالمنطقة إلى مرحلة سبق أن تجاوزتها بمراحل عديدة من حيث ممارسة الفعل السياسي والتدبيري للشأن العامة.

موقف المغرب من مناطق شمال الصحراء

ظلت مناطق شمال الصحراء في جزء كبير منها (كلميم وطانطان وإيفني وأسا والزاك) مناطق لا يوجد بالنسبة إليها أي لبس في مغربيتها على كل الأصعدة، وبالتالي لا يوجد أي مبرر لعدم إخضاعها لنفس ما تخضع له باقي مناطق المغرب الأخرى، فجزء كبير منها لم يستفد من الامتيازات التي يستفيد منها سكان جنوب الطاح (الإعفاء الضريبي الشامل، دعم المواد الغذائية، الأجر الخاص بالمناطق النائية، حملات التشغيل العامة)، إن كان استعمل سكان هذه المناطق في عملية تحديد الهوية، باعتبارهم نازحين من جنوب الصحراء إلى شمالها قبل عملية الإحصاء الذي قامت بها إسبانيا، والتي اعتبرت أحد القواعد الأساسية في عملية تحديد هوية من سيشارك في عملية الاستفتاء الأممية، ووطنهم في ما سمي بمخيمات الوحدة التي بدأت مؤقتة، وانتهت بتوزيع الدور والبقع على سكان هذه المخيمات من أجل الاستقرار نهائيا في مدينة العيون الساقية الحمراء.
من هذا المنطلق، تصبح وضعية مناطق وسكان شمال الطاح محكومة بمجموعة من المحددات بحسب إحدى الحالتين:
ففي حالة عدم تطبيق الحل الذي سيتم الاتفاق عليه، وبالتالي بقاء وضعية مناطق شمال الصحراء كوضعية باقي مناطق المغرب، فإنه بسبب كل المعطيات المشار إليها أعلاه، ستظل مطالب سكان هذه المناطق بمساواتها بسكان مناطق الصحراء الأخرى في مكاسب الحل المطبق لحل النزاع قائمة، ولن يسكتها إلا المزيد من الامتيازات التي تراعي وضعية المناطق المتاخمة لمنطقة الصراع سابقا، الأمر الذي ينذر بانفجار نزاع آخر في منطقة أخرى لا يمكن التكهن بانعكاساته على المغرب، من حيث تشجيع مناطق أخرى داخل المغرب (الريف وسوس) على المطالبة بالوضعية نفسها.
أما في حالة تطبيق الحل الذي سيتم التوصل إليه لفظ النزاع في الصحراء على مناطق شمالها، بمعنى ربط مصير هذه المناطق بمصير تلك المتنازع عليها، كما يدعو إليه اليوم العديد من السياسيين (أعيان المنطقة وبعض منتخبيها والباحث مصطفى نعيمي)، فإن المغرب سيكون بذلك قدم مساحة من ترابه وجزءا من رعاياه هدية مسمومة أو على طبق من ذهب لبوليساريو، اللهم إلا إذا كان ذلك يحمل ضمانة لجعل الحل الذي سيتم التوصل إليه أبديا.
في ظل عدم إمكانية أو استبعاد تطبيق الحل الذي سيتم التوصل إليه لحل النزاع في الصحراء ما لم يتفق أطراف هذا النزاع على ذلك، وما دامت كل التحاليل تؤشر إلى أنه ليس في مصلحة لا المغرب ولا بوليساريو ذلك، فإن ما يمكن أن يكون الأصلح للمنطقة ولسكانها هو تطبيق جهوية متقدمة تكون أعلى مرتبة من الجهوية الموسعة دون أن تصل إلى كل مكونات الحكم الذاتي، (فبقراءة مجموعة من الخطب الملكية السامية يلاحظ أن جلالته يستعمل مصطلح الجهوية المتقدمة بمفهوم مغاير عن مفهوم الجهوية الموسعة، هذا الأخير الذي يخص به باقي مناطق المغرب ويترك المصطلح الأول للحديث عن منطقة الصحراء مقرونا بالحكم الذاتي) جهوية متقدمة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المنطقة ووضعها الجغرافي باعتبارها متاخمة للمنطقة المتنازع عليها، وخصوصية سكانها الذين يرتبطون بسكان منطقة النزاع بروابط لا يمكن إسقاطها من أي حسابات، مع ضمان بقائها مرتبطة بالمغرب كدولة وحكومة، جهوية ليست كالجهوية التي ستطبق في باقي المناطق المغربية، خصوصا أن احتمال تطبيق جهوية موسعة متفاوتة الدرجات بحسب الجهات أصبح يفرض نفسه في النقاش العمومي المفتوح اليوم حول الموضوع، وذلك بالنظر لاختلاف الإمكانيات المادية والبشرية التي تتوفر عليها كل جهة على حدة، كما بالنظر إلى اختلاف الخصوصيات الإثنية والثقافية والتاريخية لمختلف جهات المغرب الجمعي، وهو الوضع الذي سيسمح لسكان منطقة شمال الطاح بالاستفادة من كل الإمكانيات التي يوفرها المغرب، بما في ذلك التنافس حول مواقع القرار في السلطة المركزية.
د/ رياض فخري: أستاذ بكلية الحقوق بسطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق