fbpx
ملف الصباح

قضاة حولوا الاستثناء إلى قاعدة

الفقيه بن صالح تحطم كل الأرقام في زيجات القاصرات

أهم ملاحظة تستخلصها المنسقة الوطنية لمراكز استماع “الرابطة إنجاد”، سعاد بنمسعود، بعد قراءة متأنية لإحصائيات زواج القاصرات المستقاة من مجموعة من المحاكم الوطنية، هي أن بعض القضاة حولوا الاستثناء إلى قاعدة والقاعدة إلى استثناء، أي العودة إلى ما كان مطبقا في عهد مدونة الأحوال الشخصية السابقة.
فعوض أن يكون زواج القاصرات هو الاستثناء، يلاحظ من خلال الأرقام التي استخرجتها مراكز الرابطة إنجاد، من مجموعة من المحاكم المغربية، أن النسبة الغالبة لطلبات الإذن لزواج القاصرات تحظى بالموافقة، فيما ترفض نسبة قليلة وتؤخر أخرى لاستكمال الإجراءات، وهو ما يثبت عدم احترام المذكرة الوزارية الداعية إلى تحديد السن في حالات الاستثناء في سن 17، وكذا انعدام مواقف موحدة في المحاكم، وغياب النيابة العامة كطرف أصلي في دعاوى الأسرة، بغيابها عن الجلسات واقتصار

تدخلها على ملتمسات كتابية تطالب فيها ب”الحفاظ على القانون”.
وأكدت الإحصائيات الأخيرة ارتفاع نسبة قبول طلبات زواج القاصرات في سنة 2009 بالمقارنة مع 2008، إذ حظي مثلا في مدينة الفقيه بن صالح  1380 من بين 1549 طلب زواج قاصر بالقبول، ورفض 126 ملفا فيما بقي 43 في إطار الإجراءات، والحال نفسه بالنسبة إلى مدينة ورزازات حيث حظيت نسبة 88 في المائة من الطلبات المقدمة بالموافقة. وليست الفقيه بن صالح وورزازات المدينتان الوحيدتين اللتين ارتفعت فيهما نسبة القبول فيما تراجع عدد الملفات المرفوضة، بل تؤكد إحصائيات مدن أخرى الملاحظة نفسها.
ويعلل أغلب القضاة الذين وافقوا على تزويج قاصرات قراراتهم بمبررات من قبيل “الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأسرة القاصر وكفاءة الخطيب المالية”، إذ يكفي أن يكون الخطيب ميسورا لمنحه إذن الزواج من قاصر معدمة، إذ يلح والداها على أنهما غير قادرين على الإنفاق عليها وأن زواجها سيحصنها، تسجل سعاد، مضيفة أن بعض الآباء يطالبون القاضي بمنحهم الإذن لأنهم عاجزون عن إعالة بناتهم، أو أن في الأسرة ثلاث بنات وعليها تزويجهن مبكرا، إحصانا لهن.
وليست عبارة “الإحصان ودرءا للفساد” وهي مبرر، تقول سعاد، “يحطم كرامة المرأة”، وحدها ما يرد في تعليلات القضاة لمنحهم الإذن بزواج قاصرات، بل إنهم أحيانا، تقول بنمسعود، يبررون ذلك بالقول إن من واجبهم احترام أعراف قبائل معينة لأنها تأخذ بها أكثر من القانون، وأن من مصلحة هؤلاء القاصرات الزواج، دون أن يحددوا معيار هذه المصلحة.
أما الحالات التي يدعي فيها أولياء الأمور أن بناتهم حوامل، فإن القاضي يكتفي بما يصرحون به ولا يجري أي خبرة طبية على القاصر، بل يأخذ بما صرح به ولي الأمر، ويأذن بزواج الفتاة حماية لحقوق الطفل، في حين يتجاهل أنها هي نفسها طفلة بقوة القانون، وهي طريقة يلجأ إليها بعض الآباء لوضع القاضي أمام الأمر الواقع ويجبرونه بذلك على قبول الطلب.
ورغم أن مدونة الأسرة تتحدث صراحة عن إلزامية إجراء خبرة طبية عند الحالات الاستثنائية لتزويج القاصر، لتأكيد إن كانت المعنية بالأمر قادرة جسديا ونفسيا على الزواج، فإن أغلب القضاة لا يطالبون بها، ويكتفون ببحث يجرونه مع القاصر، إذ تحضر رفقة ولي أمرها لتجد نفسها أمام جملة من الأسئلة يطرحها عليها القاضي وهو في الآن ذاته يعاين بنيتها الجسدية. وهو ما تعاتب عليه الجمعيات النسائية بعض القضاة الذين يحكمون على قدرة الفتاة انطلاقا مما يعاينونه بالعين المجردة، رغم أن ذلك من اختصاص الأطباء، كما أنهم يطرحون سؤال الموافقة من عدمها على الفتاة أمام والديها، ما يجعلها توافق دون إرادتها، إذ لا يجري البحث في ظروف تتوفر فيها شروط الرفض أو القبول، ولا تكون فيها الفتاة حرة للتعبير عن رأيها بصراحة دون أن تقع تحت ضغط حضور والديها اللذين قد يكونا أرغماها على هذا الزواج. وهو واقع يعجل بمطلب إحداث أقسام لأخصائيات اجتماعيات وتوفير بنيات خاصة بهن في محاكم الأسرة.  
من جهتها، تخلص سعاد بنمسعود، إلى غياب إستراتيجية واضحة للدولة في تطبيق مدونة الأسرة، إذ تؤكد الأرقام المرتفعة في منطقة والمتذبذبة في منطقة أخرى أن عقليات القضاة هي المتحكم في تطبيق بنود مدونة الاسرة وليس القانون، ففي الوقت الذي قد تجد فيه في محكمة معينة نسبة مرتفعة لزواج القاصرات، قد تنخفض في السنة الموالية، وتتصاعد في السنة الموالية، حسب القاضي الذي وضعت بين يديه طلبات الزواج، لذلك “نطالب وزارة العدل بتطبيق مذكرتها المتعلقة بوضع سقف لا يجب تخطيه وهو سن 17 سنة، في ما يتعلق بالحالات الاستثناية لزواج القاصرات، وما عدا ذلك فيجب رفضه، كما يجب أن تتخذ الحكومة إجراءات أخرى في ما يتعلق بتوثيق عقود الزواج وهذا مشكل كبير يتحايل فيه البعض على القانون من أجل تزويج قاصرات، إذ يزوجوهن في البداية بالفاتحة ثم يفرضون على الدولة توثيق هذا الزواج في ما بعد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق