fbpx
الأولى

رئيس الحكومة ينظم انتخابات باطلة بالبيضاء

عدد الأعضاء الواجب انتخابهم في كل مقاطعة يفوق بكثير ما هو محدد قانونيا

بقلم: عبد الكبير طبيح*

انشغل رئيس الحكومة بحملته الانتخابية لفائدة حزبه، في سابقة لم يقم بها أي وزير أول من الذين عرفهم المغرب، نظرا لاحترامهم لمؤسسة الحكومة، باعتبارها تهم كل المغاربة، وليس جزءا منهم فقط، بدل أن يتابع مجريات العمليات الانتخابية، حتى تتطابق مع ما ينص عليه القانون ويحمي حقوق جميع المرشحات والمرشحين، على اعتبار أن الإدارة موضوعة رهن إشارته، بحكم الدستور، من جهة، وكذا تطبيقا منه للتوجهات الملكية التي أسندت للحكومة التي يرأسها تنظيم تلك الانتخابات، من جهة أخرى، بعد الخلاف الذي وقع حول الجهة المؤهلة لتنظيم الانتخابات الذي أثارته أحزاب المعارضة.
هذا التخلي الواضح عن مسؤولية رئيس الحكومة نتج عنه خلل كبير في تنظيم تلك الانتخابات على صعيد المجلس الجماعي للبيضاء، وسابقة لم تعرفها الحياة السياسية في بلادنا من قبل، تم فيها، مع الأسف، تجاوز للدستور وخرق للقوانين المنظمة لتلك الانتخابات.
ذلك أن الانتخابات التي نظمتها الحكومة تمت في إطار القانون التنظيمي 59.11 الذي حدد القواعد الواجب اتباعها لتنظيم مثل تلك الانتخابات، بعدما أدخلت عليه تعديلات بمقتضى القانون التنظيمي رقم 15.34 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.90 بتاريخ 16/7/2015.
وأن الحكومة، تطبيقا منها للمادة 77 من هذا القانون التنظيمي المذكور، أصدرت مرسوما، باقتراح من الداخلية، حددت فيه عدد المقاطعات وحدودها الجغرافية وأسماءها وعدد أعضاء المجلس الجماعي ومستشاري المقاطعة الواجب انتخابهم في كل مقاطعة. وهو المرسوم رقم 2.15.577 الصادر في 7 شوال 1436 الموافق 24/7/2015 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 27/7/2015 رقم 6381.
وبالرجوع إلى ذلك الجدول، سنلاحظ أنه حصر عدد الأعضاء الواجب انتخابهم في كل مقاطعة من مقاطعات المجلس الجماعي للبيضاء كما يلي:
الحي الحسني 20 عضوا، وسيدي مومن 20، وعين الشق 20، ومولاي رشيد 20، وسيدي عثمان 20، وسيدي بليوط 20، وسيدي البرنوصي 18، وعين السبع 18، والمعاريف 18، والفداء 18، والحي المحمدي 16، وابن مسيك 16، ومرس السلطان 16، وسباتة 14، والصخور السوداء 14، وأنفا 12 عضوا.
غير أن لجن الإحصاء والفرز أعلنت فوز عدد من الأعضاء يفوق ما هو محدد بالمرسوم المشار إليه أعلاه، إذ أن بعضها أضاف عضوا واحدا والبعض الآخر أضاف 3 أعضاء، في خرق واضح للقانون. كما هو ثابت من المحاضر التي أنجزتها لجان الفرز في مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء.
إن الخرق القانوني الذي ارتكب في مقاطعات مجلس مدينة البيضاء له وجهان:
أولا، من غير المنازع فيه أن الانتخابات جرت في ظل دستور 2011، ولم تجر في ظل قوانين عادية، كما كان الحال عليه من قبل، وإنما أجريت تطبيقا وتنفيذا لقوانين تنظيمية، أي لقوانين لها طبيعة دستورية، ما دام أن القوانين التنظيمية هي قوانين مكملة للدستور، وأن رفع المشرع الدستوري لدرجة القوانين الانتخابية من رتبة القوانين العادية إلى رتبة القوانين التنظيمية، كان الغرض منه تأكيد إلزامية احترام ما تنص عليه تلك القوانين التنظيمية مثل الإلزامية التي تفرضها القواعد الدستورية التي لا يمكن تأويلها أو التوسع في تفسيرها من قبل أي جهة كيف ما كانت، بما فيها الإدارة التي هي من مسؤولية رئيس الحكومة، ما دام أن الجهة الوحيدة المؤهلة لذلك هي المجلس الدستوري.
إن المرسوم المشار إليه أعلاه يستمد قوته الإلزامية من المادة 77 من القانون التنظيمي المنظم لانتخاب المجالس الترابية رقم 11.59 المعدل بمقتضى القانون التنظيمي 11.34، كما تنص على ذلك تلك المادة التي ورد فيها ما يلي: «يحدد بمرسوم يتخذ باقتراح وزير الداخلية عدد الأعضاء الواجب انتخابهم في مجلس كل جهة وتوزيع عدد المقاعد على العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات المكونة لكل جهة مع بيان عدد المقاعد المخصصة للنساء في كل عمالة أو إقليم أو مقاطعة».
إن الحكومة قررت في اجتماعها المنعقد في 23/7/2015 إصدار المرسوم المشار إليه تطبيقا لتلك المادة وحددت عدد أعضاء كل مقاطعة من مقاطعات مجلس مدينة البيضاء كما هو مشار إليه أعلاه، غير أن مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجنة الإحصاء أعلنت عن نجاح أعداد أكثر مما حددها المرسوم المذكور.
إن الأمر لا يتعلق بخطأ في إضافة عضو أو عضوين من الأشخاص المعلن نجاحهم، وإنما الأمر يتعلق بإخلال وخرق للقواعد الدستورية ارتكب في جميع مقاطعات مجلس مدينة البيضاء وبالتالي أثر على العدد الإجمالي لأعضاء الجهة بكاملها وجعلها مشكلة بأكثر من العدد المحدد قانونا. كما أثر على احتساب المعامل الذي حددت بناء عليه العتبة التي أقصي بناء عليها عدد من المرشحات والمرشحين، وأثر أيضا على حصة النساء في التمثيلية أمام مجلس المقاطعة ومجلس المدينة ومجلس الجهة.
لا يمكن اعتبار ذلك الخرق الواضح للقانون التنظيمي خطأ في الحساب يمكن تجاوزه بالتشطيب على من رتب في آخر اللائحة للأسباب التالية: السبب الأول هو أن الأمر ليس خطأ في الحساب وإنما الإدارة التي هي تحت إشراف رئيس الحكومة من أشرفت على تلك الانتخابات وهي التي قبلت ترشح عدد يفوق العدد المنصوص عليه في المرسوم المذكور، كما هو ثابت من لائحة الترشيحات التي وقع عليها المرشحون والمرشحات والتي تسلمتها الإدارة منهم وجرت بناء عليها عمليات الاقتراع.
السبب الثاني هو أن الشخص المعلن عنه فائزا والمرتب في آخر تلك اللائحة لا يمكن تحميله خطأ لم يرتكبه ولا يمكن أن يسأل عليه.
السبب الثالث هو أن هذا الشخص المعلن عن فوزه هو نتيجة لتعبير عن الإرادة العامة لمن صوت على اللائحة بكاملها، ومن الأكيد أن عددا كبيرا ممن صوت على اللائحة المعنية صوت عليها بسبب وجود ذلك العضو فيها، بغض النظر عن رتبته في اللائحة، ما لا يمكن التشطيب عليه.
وبعد البحث في محاضر اجتماعات الحكومة من أجل التحقق: هل سبق للحكومة أن عدلت المرسوم المذكور أو رفعت عدد الأعضاء، تبين بعد تفحص جداول أعمال مجلس الحكومة ما بين اجتماعها يوم 23/7/2015 الذي أصدرت فيه المرسوم المذكور وآخر اجتماعها قبل يوم الاقتراع, أن الحكومة لم تتداول في إعادة النظر في المرسوم 6.15.576 أو تغييره أو تعديله أو ترفع عدد الأعضاء الذين حددهم، وهو الأمر الثابت من خلال الاطلاع على محاضر كل اجتماعات مجلس الحكومة بعد اجتماع 23/7/2015.
وبهذا يتأكد أن الانتخابات التي نظمت في البيضاء جرت في خرق واضح للقانون.
الوجه الثاني
يتبين الخرق الثاني للقانون من أن المادة 77 من القانون التنظيمي المشار إليها أعلاه حددت الإطار القانوني الذي يجب على المرسوم الذي تصدره الحكومة الخضوع له واحترامه وعدم تجاوزه.
وبما أن الأساس القانوني الذي بنت عليه المادة 77 هو ما نصت عليه المادة 76 والتي قررت وحسمت في أن الدائرة الانتخابية يجب أن تخضع للتقسيم الإداري وتتطابق معه، إذ ورد فيها ما يلي: «يشكل النفوذ الترابي لكل عمالة أو إقليم أو عمالة مقاطعات أساس التقطيع الانتخابي للجهة». «تحدث على صعيد النفوذ الترابي لكل عمالة أو إقليم أو عمالة مقاطعات دائرة انتخابية واحدة».
ومن المعلوم أن تصميم التهيئة الترابية الخاص بالبيضاء، والذي حدد جغرافية المدينة، نشر منذ 2013، وبالتالي حدد جغرافية النفوذ الترابي لكل عمالة أو إقليم أو عمالة مقاطعات. بينما هذا التصميم لم يحترم عند توزيع الدوائر الانتخابية ذلك التصميم رغم مطالبة أحزاب المعارضة بذلك، فإن توزيع المقاعد بين المقاطعات مخالف للمادتين 76 و77 من القانون التنظيمي المنظم للانتخابات. ما يعني أن الانتخابات لم تجر طبقا للإجراءات المقررة في القانون.
إن المشرع الدستوري عندما حرص على رفع القوانين المنظمة للانتخابات من رتبة القوانين العادية إلى رتبة القوانين المكملة للدستور، أي القوانين التنظيمية، كان الغرض منه إلزامية الامتثال لها من قبل الجميع. فكيف يخرقها رئيس الحكومة اليوم بالنظر إلى أن الإدارة هي رهن إشارته وتحت مسؤوليته، كما سبق بيانه.
إن حرص المشرع على إلزامية احترام تلك القواعد القانونية هو ما دفعه إلى سن الجزاء المذكور في الفصل 32 من القانون التنظيمي رقم 11.59 والذي نص على أن «الانتخابات تكون باطلة إذا لم يحترم القانون المنظم لها عند إجرائها»، كما هو الحال في الانتخابات التي أجريت بمدينة البيضاء يوم 4/9/2015. فماذا سيكون رد فعل رئيس الحكومة؟
محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى