الأولى

النخب الفاسدة تعطل الدساتير الجيدة

تطبيق الدستور المقبل رهين بتجديد النخب وتطوير الفاعلين السياسيين لطرق اشتغالهم

يكاد يكون هناك شبه إجماع بين المغاربة اليوم على أن مضامين الخطاب الملكي الأخير وفتح ورش الإصلاح الدستوري تشكل نقطة تحول نحو مغرب الانتقال الديمقراطي الحقيقي، بعد الانتكاسة التي عرفها هذا المسلسل، غير أن العديد منهم عبر، في الوقت نفسه، عن تخوفه من أن تظل مجموعة من فصول الدستور الجديد معطلة. مرد هذه التساؤلات أو بالأخرى التخوفات تعطيل العمل بالعديد من المقتضيات والفصول المنصوص عليها في الدستور الحالي، إلى درجة أن المغاربة نسوها واعتبروا أنها حقوق ومكتسبات جديدة جاءت لأول مرة في الخطاب الملكي الأخير، من قبيل مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء ومجموعة من الحقوق الأخرى التي نص عليها الخطاب والتي تضمنها الدستور الحالي والدساتير التي سبقته غير أنها بقيت معطلة لسنوات، وهو ما يطرح بإلحاح سؤالا حول دور النخب في إغناء النقاش حول الدستور الجديد وبعد ذلك قدرتها على ضمان تطبيقه.
تخوف مشروع على اعتبار أن الواقع والممارسة السياسية أظهرا أن النخبة السياسية الحالية فشلت في دفع الملكية إلى تعديل الدستور وتبني بعض الاقتراحات التي سبق أن تقدمت بها، بل إن الملكية تجاوزتها مرة أخرى على اليمين وقدمت مقترحات تعدت سقف مطالب الأحزاب السياسية ومذكراتها التي كانت تقتات منها بين الفينة والأخرى، وترد على منتقديها بدعوتهم إلى العودة إلى بعض مضامينها لمعرفة الجرأة التي يتحلون بها.
فشل النخب السياسية لم يقتصر على العجز عن تعديل الدستور، بل إنها عجزت حتى في الدفع بتطبيق بعض الحقوق والمكتسبات المنصوص عليها في الدستور الحالي، فلم نسمع يوما أن حزبا سياسيا أو فريقا برلمانيا أو مسؤولا حكوميا طالب بفصل السلط، الذي هو بالمناسبة ليس جديدا بل منصوص عليه في جميع الدساتير المغربية، مثلما لم يتجرأ أحد على المطالبة بإخراج القانون التنظيمي للإضراب إلى الوجود، والشيء نفسه بالنسبة إلى استقلال القضاء المنصوص عليه مبدأ والمغيب فعلا.
الأحزاب السياسية نقطة ضعف كبيرة في المشهد السياسي المغربي، فهي تعيش أزمة حقيقية على مستوى تدبير اختلافاتها الداخلية ووظائفها الاجتماعية والسياسية، ويكاد يكون هناك تغييب للديمقراطية  الداخلية التي يكتفي الحزب بفرضها على المستويات الدنيا، وكلما اقترب الأمر من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب، كلما استبعدت وفرضت بدلا منها أساليب مخزنية عتيقة، من قبيل التزكية والتعيين والوراثة، ما يكرس «شخصنة» هذه الهيآت ويحول دون تجددها، لتكون النتيجة إضعافها.
ضعف الأحزاب التي تعتبر مشتلا لإفراز النخب، أفرز نخبة فاسدة سواء عن اعتقاد وإيمان راسخين ورغبة في الاستفادة من توزيع المنافع السياسية والمادية للسلطة وإرضاء تعطشها للنفوذ، أو من خلال استعمال السلطة لوسائل احتواء أخرى قد تكون غير شريفة أحيانا، وبالتالي فإن النخب الحالية لا يعول عليها، لأن  فاقد الشيء لا يعطيه.
المطلوب اليوم تجديد النخب السياسية بعيدا عن الأساليب التقليدية التي أفرزت نخبا فاسدة، والكرة الآن في ملعب الشبيبات الحزبية، فالوقت مناسب من أجل الثورة على زعمائها الشيوخ، ولنقل «صراعها» مع النظام الذي فهم الرسالة ولبى أغلب المطالب، إلى صراع مع زعماء يساهمون بشكل يومي في إضعاف الحزب والمنتسبين إليه، فالفرصة مواتية أن يأخذ الشباب اليوم بزمام الأمور، مثلما هي مواتية للشباب الذين زهدوا عن الاهتمام بالشأن السياسي أن يعودوا لملء الفراغ.  والدعوة نفسها موجهة إلى النخب المنطوية على نفسها أو المبعدة من أجل العودة إلى ممارسة الشأن السياسي، فالانطواء سلوك سلبي لن يساهم بأي شكل في الدفع بعجلة المغرب إلى الأمام، ولا يساعد على تغيير الثقافة السياسية الحالية التي كرست مفاهيم من قبيل الزبونية والمحسوبية وإبعاد الكفاءات. الكرة الآن في ملعب كل هؤلاء وأي انتكاسة مقبلة يتحمل مسؤوليتها الزاهدون عن الشأن السياسي.  

الصديق بوكزول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق