الصباح الثـــــــقافـي

المريزق يدون مذكراته في “مسار في تجربة اليسار”

المعتقل السياسي كتبها لتوثيق تجربته في السجون

أوصل المصطفى المريزق مذكراته «مسار في تجربة اليسار»، إلى بر الأمان، بعد أن شمر عن ساعديه، واختار التحدي لتوثيق تجربة صعبة بين دهاليز السجون في زمن كان الاعتقال السياسي ثمن كل من تبنى فكرا معارضا.
واستحضر المريزق، الطالب في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بظهر المهراز بفاس، الأيام العصيبة التي عاشها في السجن، ومختلف أساليب التعذيب التي ذاقها وكذا مرارة الحرمان من الحرية، بعد أن كان يحلق في سماء الفضاء الجامعي، يتنقل بين الحلقيات، ويستمتع بنقاشات تستمر الساعات الطوال.
شرب المريزق من كأس الفكر اليساري الاشتراكي، بدأ يتطلع لمجالسة رموزا يساريين والاستفادة من تجربتهم النضالية في الدفاع عن مطالب الطبقة الكادحة.
كما اعتمد المريزق في مؤلفه «مسار في تجربة اليسار» على ما اختزنته ذاكرته طيلة سنين. إذ لم يتوان المريزق في استحضار مرحلة الطفولة التي قضاها في المنطقة الجبلية ضواحي تاونات، ثم أيام المراهقة والشباب التي مرت وسط الحرم الجامعي والتجربة المريرة مع عناصر «الأواكس».
إن «مسار في تجربة اليسار»، في نظر كاتبه، «فسحة هادئة للحديث عن ما جرى في فترة ما، واستحضار الذاكرة المنفردة، ونعيم الحرية التي اقتنع بها داخل السجن وخارجه كجزء من القيمة الإنسانية التي يستحقها».
إنها محاولة للتعبير عن التمرد الايجابي، وتجاوز الألم الداخلي والذكريات المؤلمة وإطفاء الجمر الذي اكتوى به، كما اكتوى به أبناء الشعب رغم اختلاف آرائهم وأسلوبهم في النضال.
حاول المريزق في كتابه الحفر في الذاكرة، بدءا من فترة الصبا التي قضاها وسط جبال تاونات، وصولا إلى العاصمة العلمية، ثم التنقل بين مختلف المخافر والسجون. وخصص المريزق فصولا عن «رحلات السجون» وعن هم تجميع شتات اليسار من خلف القضبان. يعتقد أنه كان يجهل نفسه، وكان يحاول أن يفهم ما جرى ويجري حوله، كما يرى أن علاقة القاعديين بواقعهم كانت صورة مصغرة لما يحدث اليوم في العديد من المناطق المشتعلة، صورة مصغرة للعلاقة المتأزمة بين الشباب والسياسة وبين الشباب والقيادات السياسية، وبين الفصائل التقدمية، حيث يغيب الحوار والنقاش وتبادل الرأي واحترام الرأي المخالف وعدم الإنصات ل»المبتدئين»، وفرض قرارات بطرق لا ديمقراطية، وتوقيع المواقف من طرف الزعماء المفترضين، ما يزيد تهميش المعنيين بالأمر ويزيد شتاتهم ويبعد الآراء المخالفة، في زمن كان القمع الشرس لا يترك أي هامش لحرية الاختيار. لقد كان من يمتلك الوثائق هو الزعيم، ومن يمتلك المعلومة هو القوي، ومن له علاقات مع القياديين المفترضين هو من يمتلك السلة الرمزية في ساحة النضال. كان السبيل الوحيد هو الاعتماد على الذات، والإيمان بالحلم مستندا وامتدادا.
سقط المريزق ضحية الاعتقال السياسي وضحية انتهاكات حقوق الإنسان، فرفع تحدي الكتابة عن تجربة، في قالب قصة شيقة، لشاب وجد نفسه بين أحضان القاعديين الطامحين في التغيير، فكانت الحرية هي الثمن.  
بالنسبة إلى المريزق، قام بمجرد محاولة لكتابة تاريخ مشترك، والكشف عن خباياه حتى تستفيد الأجيال الصاعدة.  
اعتقل المريزق يوم السبت 13 فبراير عام 1988، وانتظر أزيد من سنة على المحاكمة، ولم يفرج عنه إلا عام 1993، كانت التجربة مريرة بكل المقاييس.

نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق