مجتمع

رؤساء ومديرو خيريات يرسلون القاصرين إلى السجن

روح السقاط تتعذب وتطالب بإعادة النظر في معايير اختيار من يتولون أمور اليتامى

رحم الله الحاج محمد السقاط الذي تحمل مسؤولية ثقيلة في خيرية عين الشق بالدار البيضاء، وكان بالنسبة إلى النزلاء الأب والأم والوطن والأمل والحلم. ولم يشعر هؤلاء أنهم “أولاد الخيرية” يوما، بل كانت هذه العبارة إذا نطقت فإنها تحيل مباشرة إلى معنى آخر وهو “التفوق” و”التميز” و”الأخلاق العالية” و”الطموح الجامح”، حتى أن بعض المحظوظين ممن عاشوا في كنف آبائهم تمنوا لو أنهم حظوا بما حظي به هؤلاء اليتامى والفقراء في خيرية السقاط.
أين هو هذا الأب الذي لم يفكر في هؤلاء اليتامى وهو حي فقط، بل أوقف لهم بعض أملاكه ليستنفعوا بها بعد مماته؟ أين هو هذا الأب اليوم ليشهد بأم عينيه رؤساء الخيريات ومديريها يرسلون النزلاء رأسا إلى السجناء، يلفقون لهم التهم، تارة بالسرقة وتارة أخرى ب”السب والقذف”، وهلم جرا من التهم الباطلة.
لنفترض أن بعض هؤلاء النزلاء “سلاكط”، فهل يجدر بهذا الأب أن يربيهم أم أن يرسلهم إلى إصلاحيات بنهاشم الفاسدة، ليتعلموا فيها فنون الإجرام وأصول الاستغلال الجنسي ودروس التجارة في المخدرات؟ الأب لا يرسل أبناءه إلى السجن مهما بلغت درجة “جنوحهم”، بل يحاول أولا تدارك الأخطاء التي ارتكبها هو نفسه في تربيتهم وتقويم الاعوجاج الذي قد يكون أصاب هذا العجين الطري ليصنع منه، كما فعل السقاط، الأطر والنخب والدكاترة والأساتذة ورجال الأعمال وقبل كل ذلك، يصنع منهم مواطنين يشعرون بكامل مواطنتهم، رجال ونساء لا تمثل لهم الأسرة داخل هذه الخيريات إلا ذاك المسؤول الذي يأتيهم صباحا مبتسما، يستفسر عن أحوالهم، يراقب، يبحث، ينبش في كل التفاصيل ليطمئن على أولاده، فليس ضروريا أن تكون الأم أو الأب البيولوجي لطفل ما، بقدر ما يمكن أن يكون صدرك عش الأمان لهذا العصفور الذي يسقط من شجرة الأسرة تحت ظرف من الظروف وما أكثرها في بلادنا.
وهذا ما كان يتطلبه الموقف في حالة أطفال نزلاء في خيرية الحي الحسني أرسلوا إلى السجن، وآخر من خيرية بالناظور زج به في السجن لأن الرئيس عاجز عن التفريق بين هؤلاء النزلاء عملة وبشرا. عاجز عن تقويم أخطائهم وإرشادهم، ولذلك فهو حتما لا يستحق أن يتولى أمورهم، وليدع الأمر إلى من يهمه أن يكون أب هؤلاء النزلاء ولا يرى فيهم الكرسي الذي يجلس عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالخيرية ليست منصبا، بل مسؤولية أسرية وتربوية ومهمة نبيلة لا يستحقها إلا النبلاء.
“الله يذكرك بالخير يا الحاج السقاط”، فالناس تذكر بأفعالها، وذكرى الحاج السقاط مازالت تطوف الخيريات في كل المدن مطالبة بإعادة النظر في نوعية البشر الذين نمنحهم أبناءنا ليربوهم، فهؤلاء الأطفال ليسوا أبناء آبائهم البيولوجيين بقدر ما هم أبناء هذا الوطن، وعلى من يريد أن يتولى أمورهم أن يدرك أنه يتطوع ليكون والدهم بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الأبوة الحقة، التسامح أحيانا والصرامة أحيانا أخرى، وليس فقط القيام بمهام روتينية مكتبية، لأن هذه المدير أو ذاك الرئيس لا يتعامل مع “الكونفكسيون”، بل مع إنسان ولد في الحرمان.

ضحى زين الدين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق