الصباح السياسي

دسترة الحكومة السياسية… نهاية التقنوقراط

العلاقة بين الملك كفاعل سياسي والحكومة كسلطة تنفيذية والبرلمان كمؤسسة تشريعية ستقوم على توازن يضمن الفصل بينها

استجاب الخطاب الملكي لواحد من المطالب الأساسية، الذي ظل مثار جدل بين الأحزاب السياسية، يتعلق الأمر بدسترة المنهجية الديمقراطية في اختيار الوزير الأول من الحزب الذي يحصل على الأغلبية في نتائج الانتخابات. وبذلك فإن هذا القرار القاضي بإرساء دعائم دستورية لـ»حكومة منتخبة بانبثاقها من الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب»، يعني نهاية التقنوقراط داخل الحكومات المقبلة، وفتح المجال أمام حكومة سياسية، تكون مراقبة ومحاسبة أمام الناخبين عند انتهاء ولايتها الحكومة.
لقد قطع الملك الشك باليقين، وهو يدعو إلى «تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي، الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها»، ما يفيد أن الحكومة السياسية ستحل محل حكومة التقنوقراط أو الحكومة المختلطة، جزء منها قادم من أحزاب سياسية وآخر من خارج الهيآت السياسية. وقد زاد الملك في التأكيد على هذا بضرورة إيجاد الصيغة الدستورية الكفيلة بضمان هذا التحول، في خطاب تعيين أعضاء اللجنة المكلفة بالدستور، حين شدد على ضرورة «اعتماد منهجية الإصغاء والتشاور، مع جميع الهيآت والفعاليات المؤهلة، دون استثناء، والاجتهاد الخلاق لاقتراح نسق مؤسسي مضبوط، يقوم على التحديد الواضح لسلطات المؤسسات الدستورية، بما يجعل كلا منها يتحمل مسؤوليته كاملة، في مناخ سياسي سليم». وبهذا فإن الأحزاب السياسية ستكون أمام مسؤوليتها التاريخية في إبداع ما تراه مناسبا لتأمين هذا الخيار وبلورة تصورات واضحة بخصوص تكريس «المنهجية الديمقراطية»، التي ظلت تنادي بها الأحزاب السياسية، وتحتج بها كلما تعلق الأمر بتعديل وزاري استقدم أشخاصا من خارج الحقل الحزبي.
إن «توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات وعقلنتها»، يقتضي، وفق التوجهات التي رسمها الخطاب الملكي للتعديل الدستوري المتعلق بهذا الجانب، «برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية»، ما يعني أن العلاقة بين الملك، كفاعل رئيسي في الحقل السياسي، والحكومة، كسلطة تنفيذية، والبرلمان، كمؤسسة تشريعية، ستقوم على توازن في السلط بما يضمن الفصل في ما بينها، أن ينص الدستور المرتقب على «تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي»، علاوة على التنصيص على دسترة مؤسسة مجلس الحكومة وتوضيح اختصاصاته.
يرى بعض المتتبعين للشأن السياسي في بلادنا، أن الدستور الجديد سيقطع مع الكثير من مظاهر «التواكل» التي ميزت العمل الحكومي، فالوزير الأول لم يعد بإمكانه الاختباء وراء برنامج جلالة الملك، وأصبح ملزما على الأحزاب أن توسع دائرة مشاوراتها حتى تقترب، بناء على تحالفات ما قبل الاستحقاقات، فيما بينها ببرنامج موحد تكون قادرة على تنفيذه حين تشكيل الحكومة، وهو التحول الذي يلقي مسؤولية جسيمة على الأحزاب، باعتبارها الرافد الأول للسلطة التنفيذية، حتى تكون قادرة على التفاعل مع الإصلاحات الجديدة التي ستنال من التنظيمات السياسية، إن بقيت تشتغل بقواعد الأحزاب التقليدية.
بالمقابل، تطرح مسألة تعيين حكومة منتخبة على أساس نتائج الاقتراع، إمكانية أن تتخلى المؤسسة الملكية على وزارات السيادة، التي ظلت تختص بها نفسها في التعيين داخل الحكومة، ويتعلق الأمر أساسا بوزارات الخارجية والتعاون والشؤون الإسلامية والأوقاف والداخلية، بعدما تخلى الملك فعليا عن وزارة العدل لصالح الأحزاب السياسية خلال تعيين حكومة عباس الفاسي، بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في سابع شتنبر 2007، فيما يراهن التعديل الدستوري المقبل على أن تكون الحكومة مسؤولية سياسيا أمام الملك والبرلمان والشعب، بإبعاد «التقنوقراط» عن تدبير الشأن العام، أو إلباسهم ألوان سياسية من أجل الاستوزار كما جرى في بعض الأحيان.

إحسان الحافظي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق