شبكات تستغل حلم السفر والقنصليات تشدد المراقبة والقانون يلاحق المتورطين تحولت شبكات تزوير وثائق الحصول على تأشيرات السفر إلى الدول الأوربية، خلال السنوات الأخيرة، من تنظيمات تعتمد على وسائل تقليدية إلى مجموعات إجرامية عالية التنظيم، توظف أحدث التقنيات الرقمية وحواسيب متطورة وطابعات ليزرية عالية الدقة وبرامج احترافية لمعالجة الصور والوثائق، لتزوير مختلف الوثائق المكونة لملفات طلب التأشيرة، بما فيها المحررات الرسمية، وشهادات العمل، وكشوفات الحسابات البنكية، ووثائق الضمان الاجتماعي، وغيرها من الوثائق التي يصعب التمييز بينها وبين نظيرتها الأصلية، بهدف تضليل القنصليات الأوربية وتمكين زبنائها من الحصول على التأشيرات بطرق احتيالية. ولم يقتصر هذا التطور على شبكات التزوير وحدها، بل واكبته المصالح الأمنية بتعزيز قدراتها الاستخباراتية والتقنية، ما مكنها من تفكيك عدة ورشات سرية وإيقاف عشرات المتورطين بمدن مختلفة، قبل تقديمهم إلى العدالة، في إطار جهود متواصلة لتجفيف منابع هذا النشاط الإجرامي. إعداد: المختار الرمشي (طنجة) أدى تشديد القنصليات الأوربية لشروط الحصول على تأشيرات السفر، بتزامن مع تشديد المراقبة الأمنية على مسالك الهجرة السرية، إلى انتشار سوق سوداء مربحة لتزوير الوثائق الإدارية والمالية المطلوبة ضمن مساطر طلب تأشيرات السفر إلى الدول الأوربية، تتحكم فيها تنظيمات إجرامية تستغل حلم السفر إلى أوربا لتحقيق أرباح طائلة، مقابل تزويد زبنائها بوثائق مزورة توهم باستيفاء الشروط التي تفرضها قنصليات دول الاتحاد الأوربي بالمغرب، ما جعل هذا النشاط، خلال السنوات الأخيرة، يتحول إلى أحد أكثر أنماط الجريمة المنظمة انتشارا بعدد من المدن الكبرى. وتحولت هذه الظاهرة، خلال السنوات الأخيرة، من مجرد شبهات تتداولها الأوساط المرتبطة بطلبات التأشيرات، إلى قضايا جنائية موثقة، كشفت الستار عن الأساليب الإجرامية المعتمدة، وطبيعة الأدوار التي يتقاسمها أفراد هذه التنظيمات، وحجم الأموال المتداولة في هذا النشاط الإجرامي، الذي ظل لسنوات ينمو في الخفاء. وتعد طنجة من بين المدن المغربية التي شهدت تفكيك أكبر عدد من الشبكات المتخصصة في تزوير الوثائق المستعملة ضمن ملفات طلب تأشيرات «شنغن"، بحكم موقعها القريب من الضفة الأوربية، واحتضانها عددا من التمثيليات القنصلية ومراكز استقبال طلبات التأشيرة، إذ كشفت القضايا التي عرضت على محاكم المدينة أن هذا النشاط لم يعد مقتصرا على وسطاء يتولون تدبير وثائق مزورة لحالات معزولة، بل تطور إلى شبكات منظمة، تتوزع المهام بين أفرادها، وتتوفر على تجهيزات وورشات سرية وواجهات تجارية لاستقطاب الراغبين في الحصول على التأشيرة. شكاية القنصلية الإسبانية تطيح بشبكة للتزوير قادت شكاية تقدمت بها القنصلية الإسبانية بطنجة، أمام النيابة العامة، إلى تفكيك شبكة متخصصة في تزوير الوثائق الإدارية والرسمية المستعملة ضمن ملفات طلبات الحصول على تأشيرات "شنغن"، بعدما كشفت عمليات التدقيق في عدد من الملفات وجود معطيات ووثائق مشكوك في صحتها، ما دفعها إلى إخطار الوكيل العام لدى استئنافية المدينة، الذي أمر بفتح بحث قضائي لتحديد الجهة التي تقف وراء إعدادها والظروف التي جرى فيها استغلالها. وأظهرت الأبحاث الأولية أن الشكاية لم تكن تستهدف مجهولا، بل حددت هوية عشرة أشخاص، يتحدرون من أحياء مختلفة بطنجة، سبق أن تقدموا إلى القنصلية الإسبانية بطلبات للحصول على تأشيرة "شنغن". غير أن التدقيق في الملفات المرفقة بطلباتهم كشف أن عددا من الوثائق المدلى بها، من بينها عقود زواج وشهادات أجرة وكشوفات حسابات بنكية ووثائق خاصة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تحمل مؤشرات قوية على التزوير، ما عزز فرضية وجود جهة تتولى إعداد هذه الملفات وفق أسلوب موحد. وقادت التحريات، التي استغرقت أسابيع، إلى تحديد هوية عدد من المشتبه في انخراطهم في الشبكة، قبل أن تنفذ المصالح الأمنية عملية منسقة أسفرت عن إيقاف عدد منهم، من بينهم المدبر الرئيسي، الذي تم استدراجه مباشرة بعد دخوله التراب الوطني، فيما مازال عدد من المشتبه فيهم في حالة فرار، وأصدرت في حقهم السلطات الأمنية مذكرات بحث على الصعيد الوطني لإيقافهم وتقديمهم أمام العدالة. ورشة لتزوير الوثائق لم يقتصر نشاط شبكات تزوير وثائق طلبات تأشيرات "شنغن" على السماسرة والوسطاء، بل تطور إلى إنشاء ورشات سرية مجهزة بمعدات متطورة لإنتاج محررات يصعب التمييز بينها وبين الوثائق الأصلية. ومن أبرز القضايا التي كشفت هذا الأسلوب، تلك التي فجرتها معلومات دقيقة توصلت بها مصالح الشرطة القضائية بطنجة، حول شخص اتخذ من منزله ورشة متكاملة لتزوير الوثائق الإدارية والمستندات البنكية المطلوبة في ملفات طلبات التأشيرة، مقابل مبالغ مالية يتحصل عليها من زبنائه. وبعد استكمال عمليات الترصد وجمع المعطيات، داهمت فرقة أمنية مشتركة، ضمت عناصر من الشرطة القضائية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، منزل المشتبه فيه، لتكتشف بداخله ورشة متكاملة للتزوير، وعثر بداخله على نحو 80 طابعا وخاتما مزورا تحمل أسماء مؤسسات عمومية ووكالات بنكية وموثقين وسلطات محلية، إلى جانب أجهزة معلوماتية، وملفات تتضمن وثائق إدارية ومستندات شخصية في اسم الغير، كانت تستعمل في إعداد ملفات طلبات الحصول على تأشيرات "شنغن". وقادت اعترافات المشتبه فيه الموقوف، إلى تحديد هوية شريكيه، اللذين تم إيقافهما داخل منزل بمنطقة العوامة، وضبطت بحوزتهما آلة مخصصة لصناعة الطوابع، وأجهزة معلوماتية، وجهاز للمسح الضوئي، إلى جانب مواد أولية تستعمل في إنجاز الأختام المزورة، من بينها أحبار ولاصقات وأدوات تقنية أخرى، ما أكد للمحققين أنهم أمام ورشة متخصصة في إنتاج الوثائق والمحررات المزورة، وليس مجرد نشاط فردي محدود. القنصليات ترفع مستوى التدقيق كشف مصدر بالقنصلية الإسبانية بطنجة، أن تزايد محاولات تقديم وثائق مزورة ضمن ملفات طلبات تأشيرات "شنغن"، وما ترتب عنها من ضغط على مصالح دراسة الملفات، دفع القنصليات الأوربية إلى اعتماد منظومة متكاملة لتدقيق الوثائق، تقوم على وسائل تقنية متطورة وآليات تحقق متعددة، فضلا عن تعزيز التنسيق مع الإدارات والمؤسسات المغربية المختصة للتأكد من صحة الوثائق والمعطيات المدلى بها، مبرزا أن هذه الإجراءات مكنت من كشف عدد كبير من محاولات التزوير قبل استكمال مساطر منح التأشيرة، وتم إخطار المصالح الأمنية المعنية بها في إطار التعاون الأمني والقضائي المبرم بين البلدين الجارين. وقال المصدر ذاته، الذي تحدث لـ "الصباح" دون الكشف عن هويته، إن ثبوت تقديم وثائق مزورة لا يترتب عنه رفض طلب التأشيرة فقط، بل يقود إلى إدراج اسم المعني ضمن الأنظمة المعلوماتية الأوربية المشتركة، في مقدمتها نظام معلومات شنغن(SIS)، ما يحرمه من ولوج دول الفضاء الأوروبي مستقبلا. كما قد يعرضه للمساءلة أمام القضاء المغربي بتهمة استعمال وثائق مزورة، متى ثبت علمه بطبيعتها أو تورطه في تقديمها. الأمن يشدد الخناق ويحذر من السماسرة شكل تزوير الوثائق المرتبطة بطلبات تأشيرات "شنغن"، خلال السنوات الأخيرة، تحديا متزايدا أمام المصالح الأمنية، بعد أن وجدت نفسها أمام شبكات متخصصة انتقلت من الأساليب التقليدية إلى تنظيم أكثر احترافية، يقوم على توزيع الأدوار بين سماسرة يتولون استقطاب الزبائن، ومتخصصين في إعداد الوثائق المزورة، وآخرين يوفرون الأختام والتجهيزات التقنية. وذكر مصدر أمني مسؤول، أن التحقيق في هذا النوع من القضايا يتطلب أبحاثا ميدانية وتقنية تمتد لأسابيع أو أشهر، بالنظر إلى حرص أفراد هذه الشبكات على إخفاء صلتهم المباشرة بالزبائن، وتقسيم مراحل تنفيذ عمليات التزوير، بما يصعب كشف جميع المتورطين منذ البداية. وأكد أن التنسيق المتواصل بين مختلف المصالح الأمنية والسلطات القضائية، إلى جانب تبادل المعلومات مع القنصليات والإدارات المعنية، مكن من تفكيك العديد من التنظيمات الإجرامية، وحجز تجهيزات متطورة وأختام ووثائق مزورة. ودعا المصدر المواطنين الراغبين في الهجرة النظامية إلى تفادي اللجوء إلى أي وسطاء أو أشخاص يدعون قدرتهم على توفير وثائق أو ملفات تضمن الحصول على تأشيرات "شنغن"، مشددا على أن الإدلاء بوثائق غير صحيحة قد يجر صاحبه إلى مساءلة جنائية وما يترتب عنها من آثار قانونية وإدارية، مؤكدا أن السبيل الوحيد لتفادي هذه المخاطر إعداد الملفات بالاعتماد على وثائق صحيحة واستيفاء الشروط القانونية المعتمدة من قبل القنصليات. ترند: تأشيرات بين السماسرة وضحايا الوهم لم يقتصر الجدل حول شبكات تزوير ملفات الحصول على تأشيرات "شنغن" على أروقة المحاكم أو التحذيرات الصادرة عن المصالح الأمنية والقنصليات الأجنبية، بل امتد بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت، خلال الأيام الأخيرة، إلى فضاء للنقاش وتبادل الآراء بشأن تنامي هذه الظاهرة واستمرار سقوط ضحايا جدد في شباك السماسرة. وانقسمت مواقف المتفاعلين بين من دعا إلى تشديد العقوبات على المتورطين في تزوير الوثائق، وبين من اعتبر أن تعقيد إجراءات الحصول على التأشيرة وطول مواعيدها أسهما في ازدهار هذا النشاط غير المشروع. واعتبر عدد من النشطاء أن شبكات التزوير لا تكتفي بالاستيلاء على أموال الراغبين في الهجرة أو السفر، بل تدفعهم، في كثير من الأحيان، إلى مواجهة متابعات قضائية أو قرارات تمنعهم مستقبلا من الحصول على تأشيرات دخول إلى عدد من الدول الأوربية. ودعا متفاعلون إلى تكثيف الحملات الأمنية لتفكيك هذه الشبكات، مع تشديد العقوبات على السماسرة الذين يستغلون حاجة الشباب إلى السفر، وجهل بعض الضحايا بالإجراءات القانونية المعتمدة لدى القنصليات. في المقابل، رأى آخرون أن استمرار نشاط سماسرة "شنغن" يرتبط أيضا بالإقبال الكبير على التأشيرات، مقابل محدودية المواعيد وتعقيد بعض المساطر الإدارية، وهو ما يفتح المجال أمام الوسطاء لاستقطاب الباحثين عن حلول سريعة. غير أن غالبية المتفاعلين شددوا على أن هذه الإكراهات لا يمكن أن تبرر اللجوء إلى الوثائق المزورة أو التعامل مع شبكات النصب، مؤكدين أن الطريق القانوني، مهما طال، يبقى الضمان الوحيد لتفادي المتابعات القضائية وحماية مستقبل طالبي التأشيرة. عقوبات تختلف باختلاف طبيعة الوثيقة قال بوشتى الخضير، محام بهيأة طنجة إن جريمة التزوير هي كل تغيير للحقيقة في محرر أو وثيقة أو بيانات، يتم بسوء نية وبقصد استعمالها على نحو يوهم بأنها صحيحة، بما قد يترتب عنه ضرر للغير أو مساس بالثقة العامة. ولا يقتصر التزوير على اصطناع وثيقة مزيفة بالكامل، بل يشمل أيضا تغيير بيانات وثيقة صحيحة، أو إضافة معلومات غير حقيقية إليها، أو استعمال أختام أو توقيعات مزورة، أو الإدلاء بوثائق يعلم صاحبها أنها غير صحيحة لتحقيق منفعة أو الحصول على امتياز لا يخول له القانون الاستفادة منه. وكشف الخضير في تصريح لـ "الصباح" أن القانون المغربي يعاقب على هذه الأفعال بعقوبات تختلف باختلاف طبيعة الوثيقة وصفة مرتكب الجريمة والظروف المحيطة بها، وقد تصل إلى عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية، مع إمكانية متابعة كل من ساهم أو شارك أو استعمل الوثيقة المزورة وهو عالم بحقيقتها. لذلك، ينظر المشرع إلى جرائم التزوير باعتبارها من الجرائم التي تمس الثقة في المحررات والمعاملات، ولا يقتصر أثرها على الشخص المتضرر، بل يمتد إلى المساس بالأمن القانوني وبالثقة التي تقوم عليها المعاملات الإدارية والقضائية والمالية. وأوضح المحامي بهيأة طنجة أنه لا تقوم المسؤولية الجنائية لمجرد العثور على وثيقة مزورة بحوزة شخص، وإنما يتعين على النيابة العامة إثبات علمه بطبيعة تلك الوثيقة واتجاه إرادته إلى استعمالها أو المساهمة في تزويرها أو الاستفادة منها بصورة غير مشروعة. مضيفا «لذلك، يخضع كل ملف لظروفه وملابساته، إذ تبحث المحكمة في كيفية الحصول على الوثيقة، ومدى علم صاحبها بأنها مزورة، والدور الذي اضطلع به، وما إذا كان قد شارك في إعدادها أو اقتناها عن قصد أو استعملها لتحقيق منفعة معينة". وفي المقابل، قد تنتفي المسؤولية الجنائية إذا ثبت أن الشخص وقع ضحية تدليس أو احتيال، وتعامل بحسن نية مع جهة أو وسيط أو مكتب أوهمه بمشروعية الوثائق التي سلمها له، دون أن تكون لديه أي وسيلة معقولة لاكتشاف تزويرها. لذلك، يبقى القصد الجنائي والعلم بالتزوير من أهم العناصر التي تعتمدها المحاكم للفصل بين من ارتكب الجريمة ومن وقع ضحية. وحسب المتحدث نفسه، فإن القانون يعتمد في التمييز بين الضحية والمتورط على مجموعة من القرائن والوسائل الإثباتية التي تكشف حقيقة دور كل شخص في الواقعة. فإذا ثبت أن المعني بالأمر لجأ إلى وسيط أو جهة قدمت له وثائق مزورة دون علمه بحقيقتها، ولم يشارك في إعدادها أو الاتفاق على تزويرها، فإن ذلك قد ينفي عنه المسؤولية الجنائية. أما إذا أثبت البحث أنه كان على علم بالتزوير، أو طلب إنجاز وثائق مزيفة، أو استعملها رغم إدراكه عدم مشروعيتها، فإنه يعد شريكا أو فاعلا حسب درجة مساهمته، ولو لم يكن هو من قام بالتزوير بنفسه. وشدد المحامي على أن القضاء لا يبني أحكامه على مجرد الادعاء بحسن النية، وإنما يستند إلى الأدلة والقرائن المحيطة بكل قضية، من قبيل المراسلات، والتحويلات المالية، وطريقة الحصول على الوثائق، وطبيعة العلاقة مع الوسطاء، وغيرها من المعطيات التي تساعد على تحديد المسؤوليات بدقة. بوشتى الخضير (محام بهيأة طنجة)