محمد الشمسي * إذا كانت الموت مصيبة فهي كذلك فوق رؤوس ذوي المرحوم وأحبته، أما ما خفي عن العيون فالموت للبعض الآخر "فرصة ومناسبة" لانتعاش مالي. إنها نشاط اقتصادي له ريعه ينتظره المنتفعون على أحر من الجمر، وطبعا الكل يتدثر خلف أقنعة. يلفظ الميت أنفاسه، وينطلق معه عداد احتساب سعر رحلة تجهيزه. بداية يحضر طبيب المقاطعة لمعاينة الجثمان و"يعصر الحامض" على الأهل، موحيا لهم بإمكانية التشريح، وهو في الحقيقة يبتزهم. يتسلم ما بين 150 درهما إلى 200 مقابل "شهادة مغادرة الحياة". ثمن الكفن 200 درهم، والمُغسِّل يأخذ مثلها في هدوء، تصل سيارة نقل الأموات، خدمتها بالمجان لكن سائقها يطلب نصيبه من "الكعكة" فيأخذ بين 100 درهم و 200. عند مدخل المقبرة يؤدى 200 درهم ثمنا للقبر. وصلاة الجنازة هي الوحيدة بالمجان. على مشارف القبر تؤدى 70 درهما للمقاول، وتتأكد أن الإدارة باعتك البقعة "عارية" والحفر على حسابك. يظهر الخطاط ليكتب اسم الميت على الشاهد، "وأنت وإيمانك" يعني 100 درهم بينه وبين المقاول. وما إن يوارى المرحوم الثرى حتى ينقض عليه رهط من "طلبة" وسقاة الماء والمتسولين. الكل يمد يده وعليك أن تدفع، معتقدا أن ذلك يخدم منزلة الميت. في عملية ابتزاز عاطفي مكشوفة وباسم الدين. تعود للدار لتجد عمال المقاطعة ينصبون خيمة العزاء. تدفع لهم 100 إلى 200 درهم لبنائها وهدمها. 8 موائد و80 كرسيا "كاضو من عند رئيس المقاطعة". ثم يأتي الكهربائي ليأخذ مثل المبلغ و"البولات أنت اللي تشريهم". هنا تنتهي تكاليف الميت وتبدأ تكاليف الأحياء: إطعام المعزين. وتلك قصة أخرى تحضر فيها العادة وتختفي العقيدة، حين يصبح إطعام 200 نفر من الفرائض. إن كانت من مساواة بين الأموات فهي أمام الله في الآخرة. أما في الدنيا فهناك ميز حتى في القبور. قبور VIP تُشترى وتُسيج، وبعضها في "شوكة" وأخرى جماعية. "كلها وثمانو». وإذا كانت لك «ضرصة صحيحة" نلت قبرا مناسبا ولو كان "ضد بلان المقبرة". وما خفي أبشع وأفظع في "شبكة الموت" التي تمتد وتتقاطع، وتعتبر المصيبة فرصة عمل... * محام وروائي