الباحث المتليني يسترجع قصة بداية البريد والتلغراف والهاتف في كتابه "الأشغال العمومية بالمغرب على عهد الحماية.. مرحلة ليوطي (1912 ـ 1925)" يتوقف الباحث عبد العالي المتليني عند موضوع الأشغال العمومية، باعتباره قضية استعمارية محورية، شكلت قطب الرحى في السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب إبان فترة الحماية، وعليها بنى نظام الحماية الفرنسية جزءا من مشروعه التوسعي الاستعماري في شموليته. وأبرز المتليني المزاوجة بين تسهيل التدخل الاستعماري واستغلال مقدرات البلاد، عبر تهيئة الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخدمات البريد والمواصلات. في هذا الخاص اختارت "الصباح" المحور المتعلق بخدمة البريد والتلغراف والهاتف في تنفيذ المخططات الاستعمارية. إعداد: عزيز المجدوب يقول الباحث عبد العالي المتليني إن الاهتمام الفرنسي بإنشاء وتنظيم مصلحة البريد والتلغراف والهاتف بالمغرب، بدأ منذ توقيع الاتفاق الفرنسي/ الإنجليزي سنة 1904، خاصة مصلحة البرق، ليغدو الأمر رسميا مع توصيات مؤتمر الجزيرة الخضراء في 1906. ويضيف المتليني أنه، في سياق التهدئة، لجأت قوات الحماية الفرنسية إلى تخصيص جزء من قرض 1914 لإحداث هذه الخدمة بالمغرب، عبر إنجاز مكاتب البريد والتلغراف، وقد فرضت مجموعة من الشركات الفرنسية نفسها في ميدان الاتصالات اللاسلكية عبر "الشركة المغربية للتلغراف" ذات الأغلبية الفرنسية، والتي ظلت تخطط للاستحواذ على باقي مشاريع الأشغال العمومية الصادرة عن الدولة الشريفة بمغرب الحماية، عبر شركاتها أو عبر شركات أوربية أخرى. بداية البريد يعود تاريخ تنظيم إدارة البريد والتلغراف والتلفون إلى اتفاق باريس في أول أكتوبر 1913، الذي نص على إحداثها فعليا في المغرب، ووقع السلطان على الظهير المتعلق بها في دجنبر من السنة نفسها، فيما نظم ظهير يوليوز 1914 قطاع البريد والاتصالات، قبل أن يعدل وينقح الظهير بإلغاء وظيفة رئيس البريد ورئيس إدارة التلغراف وإنشاء وظيفة رئيس للبريد والتلغراف معا. وعين "م . والتر" على رأس إدارة البريد والتلغراف والتلفون ابتداء من 1921، وهو التاريخ الذي افتتح فيه "بول لافون" مقره المركزي لمناسبة زيارته للمغرب، إلى جانب الماريشال ليوطي بالرباط، لذلك كان تدشينه مرتبطا بتاريخ 28 ماي 1921. في المقابل استمرت بعض الوسائل التقليدية التي كان يستعملها المغاربة في نقل البريد، والموروثة عن فترة ما قبل الحماية، مثلها "الرقاصون" الذين كانوا يحملون "الشكائر الجلدية" وطوابع تختم بأحدها الرسائل وتطبع بأخرى الحقائب الجلدية، ويتقاضى الأمناء الرسوم البريدية من أصحاب الرسائل والمحددة في 8 موزونات لكل رسالة تزن نصف أوقية، وكان الرقاص ينقل البريد من طنجة إلى الصويرة وإلى مراكش في ستة أيام. ضرورات وأولويات نص ظهير 11 يناير 1917 على استمرار هذه الخدمة، وفوض فيها السلطان لقائد جيوش الاحتلال بتنظيمه وإصدار القوانين الضرورية لقيامه، كما فرضت ضرورات التهدئة والإخضاع إعطاء هذه الخدمة الأسبقية في الإنجاز، إذ أنشئت خطوط الهاتف والتلغراف على نحو سريع قبل وجود الطرق والمسارات التي أعدتها آلة الحماية، فضمت الرباط ثلاثة مكاتب كاملة التجهيز، وفي غيرها أعطيت الأولوية للمراكز الحضرية الرئيسية لإنشاء بنايات البريد والتلغراف اللاسلكي. وتحدث المتليني عن اختلاف الأولويات في إنجاز خدمة التلغراف والتلفون، فسلطات الإقامة العامة أعطت الأسبقية لتلك التي تهم الجانب العسكري، لأن الظرفية أملت على الفرنسيين بالمغرب مباشرة بعد 1912، ضرورة تثبيت أقدامها بالبلاد قبل الشروع في التجهيز والاستغلال، ثم نقلها في ما بعد، إلى الحكومة الشريفة لتمكين المعمرين والأهالي من استعمالها، ولتوظيفها في السياق العام لمنظومة السيطرة والاستغلال التي تؤطر آليات التدبير العام للإقامة العامة. وواكب تطورات مراحل التهدئة، شروع أجهزة الحماية في نقل مجموعة من خطوط التلغراف والتلفون من ملكية الدولة الفرنسية إلى الحكومة الشريفة، ومن خطوط ذات طابع عسكري، إلى خطوط مدنية تساير احتياجات مجتمع واقتصاد الدولة الحامية، لكن الملاحظ هو استمرار العديد من هذه الخطوط في أداء أدوارها العسكرية طيلة فترة حكم المقيم العام ليوطي وبعده، وبعضها الآخر أحدث في فترات لاحقة، لذلك كان التخلص الفرنسي من هذه الخطوط ذات الأدوار العسكرية يشكل تدريجي، واقتصر هذا الانتقال على خطوط بعينها، بدءا بتلك التي لم تعد لها فائدة مثل خط القنيطرة/ ابن أحمد/ واد زم، وأخرى تتناقص فائدتها العسكرية بشكل تدريجي كخط الرباط/ الرماني. البريد يعود تاريخ تنظيم البريد في شكله المعاصر إلى 1911، إذ كلف السلطان المولى عبد الحفيظ "الشركة المغربية للتلغراف" التي أسست في 1907 بإعادة تنظيمه، عبر تعويض البريد الراجل بالبريد بواسطة الخيالة وإصدار طوابع بريدية، ثم جعل البريد يوميا وفي أوقات معلومة. وقد بدأ العمل بهذه المصلحة في فاتح مارس 1912 تحت اسم "الإدارة الشريفة للبريد والتلغراف والتلفون" وأصدرت أول طابع بريدي مغربي بعملة الموزونة في 22 ماي 1912، وكانت هذه المصلحة تعمل تحت إشراف "المكتب الشريف للبريد" وأقيمت المراكز البريدية في مراكز وجود المعمرين الأوربيين، حيث قام البريد بدور هام في الإبلاغ السريع للمعلومات والطلبات التجارية. وفي 1913 تم دمج البريد المخزني مع البريد الفرنسي، ومعه دمج الخدمات التلغرافية وإعادة تنظيمها بواسطة موظفين فرنسيين، وبهذا أصبح البريد المغربي يعرف ب"مكتب البريد والتلغراف والتلفون بالمغرب"، وفي السنة نفسها صدر ظهير شريف يحدد حيثيات أدوار الموظفين في هذه المصلحة. وخلال فترة الحماية قسمت المصالح البريدية إلى منطقتين: منطقة النفوذ الفرنسي وكانت تعمل تحت اسم مكتب البريد والتلغراف والتلفون، ومنطقة النفوذ الإسباني وكانت تعمل تحت اسم مصلحة البريد المغربي. وقد تم تأمين العلاقات البريدية المغربية الفرنسية بواسطة أربعة محاور: المحور الأول هو الطريق البحري الدار البيضاء/ بوردو بوسطة "الشركة العامة للنقل ترانزاتلنتيك" والتي كانت تقوم بثلاث رحلات ذهابا وإيابا في الشهر. والمحور الثاني الأول يضم الطريق البحري الدار البيضاء/ مارسيليا، بواسطة "شركة باكي" وكانت تقوم بثلاث رحلات ذهابا وإيابا في الشهر. أما المحور الثالث فيهم الطريق المختلط الرابط بين الدار البيضاء/ طنجة/ إسبانيا وكانت رحلات هذا الخط متنوعة ومتغيرة. ثم المحور الرابع هو الطريق الجوي تولوز/ الرباط / الدار البيضاء، وكانت رحلاتها الأسبوعية تصل إلى أربع ذهابا وإيابا. أما المراسلات الداخلية فكانت تعتمد على عدة آليات، من قبيل النقل بواسطة السكك الحديدية والسيارات وأيضا بواسطة القوافل والرقاصة المشاة، وكانت خدمة الطرود البريدية بالمغرب مؤمنة من "مكتب البريد والتلغراف والتلفون" ومن فروع "الصندوق الوطني الفرنسي للادخار". وجدة... أول خط تلفوني إلى غاية 1913 لم يكن بالمغرب سوى خط تلفوني واحد بوجدة مرتبط بالشبكة الجزائرية، وابتداء من هذه السنة تم إنشاء شبكة تلفونية حضرية أخرى همت تقريبا جل المدن المغربية، إضافة إلى مجموعة من الخطوط العسكرية التي أدرجت ضمن آليات الحماية لبسط نفوذها، ومن ذلك الخطوط التي أقيمت بين مراكز المراقبة الحدودية مع منطقة النفوذ الاسباني في الشمال، والذي أنجز منه حسب مراسلة لقائد القيادة العليا للجيوش الفرنسية بالمغرب "كايدون دو دوفيز" بتاريخ 31 دجنبر 1917 خط هاتفي بين مركز المراقبة الجمركية "سيدي جميل" و"دار الحراق" و"لالة غنو" و"كدارة" ووصل إلى غاية "عرباوة". وكانت استفادة المغاربة من هذه التقنيات المتطورة عظيمة، فبالإضافة إلى استعمالها في الأمور التي تخص حياتهم اليومية وعلاقاتهم التجارية، يلاحظ أن هؤلاء ذهبوا في استغلالها إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد استخدم أواخر عهد الحماية التلفون الأوتوماتيكي داخل المناطق الحضرية للدار البيضاء والرباط وفاس ووجدة ومكناس. ونص القرار الوزاري الصادر عن الصدر الأعظم محمد الجباص في 1914 على تنظيم طرق الاستفادة من هذه الخدمة، فقد أمكن للعموم استعمال الهاتف إما بواسطة مراكز الاشتراك الثابتة أو المتنقلة المنشأة في منازل المشتركين، وإما بواسطة مراكز عمومية تقام في مكاتب البريد والتلغراف وغيرها من المحلات. التلغراف استنادا إلى مجموعة من المصادر والمراجع التي تناولت فترة الحماية بالمغرب، قال الباحث عبد العالي المتليني، إن الأوربيين كان لهم سبق استعمال التلغراف بالمملكة الشريفة، حتى إن دخوله إلى المغرب كان سابقا على الحماية، إذ عرف المغرب استعمال التلغراف في العقد الأول من القرن العشرين. وبدأ تشغيل التلغراف في 1907 بموافقة السلطان مولاي عبد العزيز، الذي عهد في تشغيله إلى شركة خاصة "الشركة المغربية للتلغراف"، لذلك أصبح المغرب قبل الحماية يتوفر على ست محطات تلغرافية بكل من طنجة والدار البيضاء والرباط والصويرة وفاس وصفرو. وتحدثت كتابات فرنسية عن واقعة محاصرة جنود مغاربة، خلال أحداث فاس الدامية في أبريل 1912، لمنزل بفاس كان يستعمله الفرنسيون لخدمة التلغراف، تلاها تأمين العلاقات التلغرافية بين المغرب وفرنسا بواسطة التلغراف اللاسلكي وأيضا الخطوط البحرية التحت ـ بحرية. وكان "مكتب البريد والتلغراف والتلفون" يمتلك ويدير محطات "راديو ـ تلغرافية" بطنجة والدار البيضاء والصويرة، وخطوط سلكية طولها 9.967 كيلومترا سنة 1915، لتصل إلى 21.286 كليومترا في 1921، فأسهم ذلك في انتشار التلغراف وغيره من التقنيات الجديدة، التي أدخلت جزءا من البلاد في نمط جديد من الحياة من الوجهة التقنية والاقتصادية والتعليمية والفكرية وغيرها، فأحدث ذلك صدى كبيرا بالأوساط العلمية والفقهية، وصلت حد إصدار العديد من الفتاوى، خصوصا على مستوى حكم العمل بالتلغراف من الناحية الشرعية، وإلى درجة وصلت فيه بعض المواقف حد عدم الأخذ بهذه التقنية في قضاياها.