أبحاث الدرك كشفت معاناة الجاني اضطرابات نفسية وسلوكات عدوانية والنتيجة الطبية أكدت المعطى كشف المتصل أن الضحية رب أسرة مسن يبلغ من العمر 68 سنة، تعرض لاعتداء عنيف داخل منزل العائلة، انتهى بتوجيه ضربة قاتلة إلى رأسه، ليسقط على الأرض وسط بركة من الدماء أمام أنظار بناته اللواتي لم يستوعبن هول المشهد. وبين صرخات الاستغاثة وحالة الذهول التي خيمت على أفراد الأسرة، تمكن الجاني من مغادرة مسرح الجريمة بسرعة، متواريا عن الأنظار قبل وصول عناصر الدرك الملكي. كانت المعلومات الأولية شحيحة، لكنها حملت ما يكفي لإطلاق حالة استنفار قصوى داخل المركز الترابي. دقائق معدودة فصلت بين تلقي البلاغ وانطلاق أولى الدوريات نحو دوار الغضبان، فيما شرع قائد المركز في التنسيق مع مختلف المصالح المختصة لتأمين مكان الجريمة والحفاظ على الآثار التي قد تقود إلى كشف هوية الفاعل ودوافعه. في تلك الأثناء، بدأ الخبر ينتشر بين سكان الدوار كالنار في الهشيم، وخرج العشرات من منازلهم وهم يتساءلون عما وقع داخل ذلك البيت الذي طالما عرف بالهدوء والاستقرار، وتحولت الأزقة الضيقة إلى مسرح لحركة غير عادية، بينما خيم الحزن والخوف على المنطقة بأكملها،خصوصا بعد تداول روايات متضاربة حول ملابسات الجريمة وهوية مرتكبها. لم يكن أحد يتوقع أن يتحول خلاف عائلي، وفق ما كانت تشير إليه المؤشرات الأولى، إلى جريمة بتلك البشاعة، وأن يفارق رب الأسرة الحياة داخل منزله وأمام أعين فلذات كبده. أما بالنسبة لقائد المركز، فقد أدرك منذ اللحظات الأولى أن القضية لن تكون مجرد ملف جنائي، بل ستكون اختبارا حقيقيا لسرعة التدخل، ودقة البحث، والقدرة على الوصول إلى الجاني قبل أن يبتعد كثيرا عن مسرح الجريمة، في سباق مع الزمن لكشف حقيقة ما جرى ووضع حد للغموض الذي لف دوار الغضبان منذ تلك اللحظة الدامية. بداية التحقيق بمجرد تلقيه تفاصيل الواقعة، جند قائد المركز الترابي للدرك الملكي بمولاي عبد الله دورية أمنية، بعدما أشعر قائد السرية بالجريمة، لينتقل على وجه السرعة إلى دوار الغضبان حيث وقع الحادث. وما إن ولجت عناصر الدرك منزل الضحية حتى ارتفعت أصوات البكاء والنحيب، فيما كانت بنات الهالك وأفراد أسرته يعيشون لحظات صادمة بعد فقدان معيل الأسرة في مشهد مأساوي. باشر قائد المركز رفقة عناصره إجراءات المعاينة الأولية، حيث عاين الجثة وهي ممددة في المكان الذي سقط فيه الضحية عقب تلقيه الضربة القاتلة على مستوى الرأس. وتم توثيق مسرح الجريمة بدقة، وإنجاز محضر المعاينات، والتقاط الصور اللازمة التي من شأنها أن تساعد في إعادة تركيب تفاصيل الواقعة، مع الحرص على الحفاظ على جميع الآثار والأدلة الجنائية. وبعد استكمال الإجراءات الأولية، تم إشعار الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالجديدة، الذي أعطى تعليماته بانتداب سيارة نقل الأموات لنقل جثة الهالك إلى مستودع الأموات بالمستشفى، قصد إخضاعها للتشريح الطبي لتحديد السبب الحقيقي للوفاة والوقوف على جميع ظروف وملابسات الجريمة. وفي الوقت الذي كانت فيه الإجراءات القانونية تسير بوتيرة متسارعة، انطلق البحث الميداني داخل المنزل ومحيطه، أملا في فك لغز هذه الجريمة البشعة المرتكبة في حق أحد الأصول. واستمع قائد المركز إلى إفادات بنات الهالك، اللواتي عاين لحظة الاعتداء، وكانت شهاداتهن متطابقة في تحميل المسؤولية لشقيقهن، الذي لم يتمالك أعصابه إثر خلاف نشب مع والده بسبب عائدات بيع عدد من رؤوس الأغنام. وكشفت المعطيات الأولية أن الضحية كان قد باع قطعا من الخرفان، غير أن المبلغ المتحصل عليه لم يرض الابن، الذي اعتبره زهيدا، وأصر على مطالبة والده بمنحه نصيبه من عائدات البيع. وسرعان ما تطور النقاش إلى شجار عنيف، انتهى بتوجيه الابن ضربة قوية إلى رأس والده، أردته قتيلا أمام أنظار شقيقاته، اللواتي حاولن عبثا ثنيه عن الاعتداء، قبل أن يفر من مسرح الجريمة إلى وجهة مجهولة، تاركا خلفه أسرة مكلومة وجريمة ستقود إلى واحدة من أكثر التحقيقات حساسية. سقوط الجاني لم تنته فصول المأساة عند سقوط رب الأسرة مضرجا في دمائه، بل امتدت آثارها لتلقي بظلالها الثقيلة على دوار الغضبان بأكمله، فقد خيم الحزن على أفراد عائلة الهالك وجيرانه. وخلال الساعات الأولى من البحث، استمعت عناصر الدرك الملكي إلى عدد من سكان الدوار، الذين أجمعوا على أن الجاني كان يعاني منذ مدة اضطرابات نفسية وسلوكات عدوانية، وأنه كان يدخل في خلافات متكررة مع أفراد أسرته، الأمر الذي جعلهم يخشون أن تنتهي تلك التصرفات يوما بكارثة، وهو ما وقع بالفعل في ذلك اليوم المشؤوم. ورغم اختفاء المشتبه فيه مباشرة بعد ارتكاب الجريمة، لم يمنح قائد المركز الترابي للدرك الملكي بمولاي عبد الله وفريقه أي فرصة للزمن كي يبدد آثار الجريمة. فبعد الانتهاء من المعاينات الميدانية وإقفال مسرح الجريمة، فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة، وجرى تمشيط محيط الدوار والمسالك المجاورة، مع الاعتماد على المعلومات، التي استيقت من الشهود وأفراد العائلة. ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى أثمرت التحريات عن تحديد مكان اختباء المشتبه فيه داخل بيت مهجور بدوار الغضبان. حاصرت عناصر الدرك المكان في هدوء، قبل أن تباغت الجاني وتتمكن من إيقافه دون أن يبدي أي مقاومة، لتنتهي بذلك رحلة فراره في وقت قياسي . وامتد البحث إلى الاستماع لأقارب الجاني، وفي مقدمتهم والدته، التي أدلت بإفادة مؤثرة أكدت فيها أنها عاشت بدورها سنوات من المعاناة، بسبب سلوكات ابنها العنيفة، مشيرة إلى أنها لم تكن حاضرة لحظة الاعتداء على زوجها، بعدما اضطرت في وقت سابق إلى مغادرة بيت الأسرة والإقامة رفقة إحدى بناتها، هربا من المضايقات والتهديدات المتكررة، التي كانت تتعرض لها على يديه. اعتراف بالحقيقة مع تضييق الخناق عليه بالأدلة والشهادات المتطابقة، وخلال جلسات الاستماع التي باشرها المحققون، اعترف بتفاصيل الجريمة. وبانتهاء مجريات البحث التمهيدي، أحيل المتهم على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالجديدة، الذي استنطقه بشأن المنسوب إليه، قبل أن يقرر إحالته على قاضي التحقيق. وبعد الاطلاع على محاضر الضابطة القضائية وملابسات القضية، أمره بإيداعه السجن المحلي سيدي موسى قبل متابعته. وخلال جلسات المحاكمة، أعيد استنطاق المتهم، كما ناقشت هيأة الحكم مختلف التصريحات والمحاضر المدرجة في الملف، غير أن ما راج داخل الجلسات بشأن حالته النفسية، دفع المحكمة إلى اتخاذ قرار بإجراء خبرة طبية ثلاثية، قصد التحقق من مدى سلامته العقلية وقت ارتكاب الجريمة، ومدى مسؤوليته الجنائية عن أفعاله. وجاء تقرير الخبرة حاسما، إذ خلص إلى أن المتهم كان يعاني اضطرابات ومضاعفات نفسية أثرت بشكل بالغ في قدراته العقلية والإدراكية لحظة ارتكابه الجريمة، بما أفقده التمييز والإرادة الكاملة أثناء وقوع الأفعال المنسوبة إليه. وبعد المداولة، أصدرت هيأة الحكم قرارها بإعفاء المتهم من العقاب الجنائي، مع الأمر بإحالته على مستشفى متخصص في الأمراض العقلية والنفسية، قصد إخضاعه للعلاج، حفاظا على سلامته وسلامة المجتمع. أحمد سكاب (الجديدة)