أجور الكرامة عبد الواحد كنفاوي تتعالى بالمقاهي وأمام مقر البرلمان صيحات الشباب الباحث عن كسر طوق البطالة، التي تسجل أرقاما مقلقة. وفي المقابل تقف قوارب صيد مشلولة في الموانئ لعدم اكتمال طواقمها، وتئن ضيعات فلاحية من ضياع المحاصيل لنقص السواعد، وتتباطأ أوراش إنعاش عقاري كبرى لغياب العمال اليدويين والتقنيين وتتأثر صادرات قطاع النسيج بسبب أزمة في اليد العاملة. الأمر لا يتعلق بخصاص في الموارد البشرية، خاصة أن القطاعات التي تعاني خصاصا في اليد العاملة لا تتطلب مؤهلات خاصة، لأن العمل بها يتوقف على المجهود الجسدي أكثر، ما يعني أن هناك أسبابا أخرى تجعل العاطلين غير مهتمين بفرص الشغل التي توفرها هذه القطاعات. تظل الحقيقة المرة مشفرة في كشوفات الأجور نهاية كل شهر، إننا لا نعيش أزمة رغبة في العمل، بل نعيش أزمة هزالة أجور في القطاع الخاص تجعل الراغب في العمل أمام معادلة اقتصادية مستحيلة لا تغطي حتى تكلفة التنقل وتأمين لقمة العيش الأساسية. كيف نتوقع من شاب أن يقبل بوظيفة تستنزف 44 ساعة أو أكثر من جهده الأسبوعي، في مهن شاقة أو حتى مكتبية، مقابل راتب يتآكل بفعل التضخم والارتفاع الصاروخي لأسعار المعيشة قبل أن يصل إلى جيبه؟ وفضل جزء واسع من الطاقات البشرية "البطالة الاختيارية" أو الانكفاء على قطاعات غير مهيكلة، أو حتى تدبير معاشهم اليومي عبر اقتصاد الهامش الرقمي والخدماتي البسيط، على أن يخضعوا لاستغلال شركات تمنح فتاتاً لا يحفظ كرامة العامل. لم يعد الهروب من القطاع الخاص حكراً على العمال غير المؤهلين، بل امتد ليشمل الأطر العليا والتقنيين المتخصصين الذين باتوا يهاجرون جماعياً نحو الخارج أو يفضلون مباريات الوظيفة العمومية لضمان الاستقرار، مما أفرغ المقاولة المحلية من أدمغتها وسواعدها الحيوية. إن عقلية التدبير التي تبني تنافسية المقاولة على خفض كلفة اليد هي عقلية متجاوزة وقاصرة، إذ لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بعمال فقراء. فالأجور الهزيلة تقتل القوة الشرائية، وضعف القدرات على الإنفاق يعني ركود الأسواق التي تبيع فيها هذه المقاولات منتوجاتها، ما يجعلنا أمام حلقة مفرغة. الأمر يتعلق، إذن، بأزمة كرامة وجاذبية، جعلت قطاعات إستراتيجية تعاني شح اليد العاملة، لأن لا أحد يرغب في أن يمضي حياته في عمل شاق موسمي، دون تغطية صحية وبأجر لا يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. لذا، على المشغلين في قطاعات العقار والفلاحة والنسيج والصيد البحري أن يستوعبوا أن زمن "العامل الرخيص بلا حقوق" قد ولى. إن رفع الأجور، وتأمين بيئة عمل سليمة، والمأسسة الفعلية للحماية الاجتماعية والتغطية الصحية هي الممر الإجباري الوحيد لإعادة الدفء لهذه المهن. إن استمرار هذه المفارقة هو هدر لفرص نمو حقيقية، وعلى الحكومة والشركاء الاقتصاديين التحرك قبل أن يجف شريان القطاعات التي تنعش النمو الاقتصادي، لضمان توفير أجور تضمن الكرامة، من خلال صياغة آليات قانونية تتيح تحيين الأجور بشكل دوري يتناسب مع الزيادات المتتالية لتكلفة المعيشة، حتى لا يجد الأجير نفسه أفقر بعد سنوات من العمل.