المفكر رشيد بن الزين قال للصباح إن كل اجتهاد بشري قابل للنقاش حل الكاتب والمفكر المغربي/ الفرنسي رشيد بن الزين، أخيرا، ضيفا على منتدى حقوق الإنسان، المنظم على هامش مهرجان "كناوة وموسيقى العالم" بالصويرة. وخص "الصباح" بهذا الحوار الذي ناقش فيه مجموعة من القضايا المتعلقة بمشروعه الفكري، الذي يسائل فيه التراث بمنهجية تعتمد على أرضية لغوية تعيد تشكيل وبناء النص التراثي، وفق رؤية جديدة تمنحه راهنية تطيل عمره وتمنحه إمكانية العيش في الحاضر والمستقبل. كما يتحدث عن علاقته بالأدب وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي. أجرى الحوار: عزيز المجدوب ـ تصوير: فدوى الناصر (موفدا "الصباح" إلى الصويرة) انشغلت كثيرا بسؤال تأويل القرآن.. هل تعتقد أن مشكل الإسلام وكتابه المقدس يكمن في سوء الفهم؟ أي دين كيفما كان، يسجل دائما تحت إطار الإيمان في لحظة ظهوره في سياق معين، لكنه اليوم في سياق آخر، وبالتالي فالمسألة تتعلق بالاستعمالات والتوظيفات، أي أنه إذا ارتكزنا على المعنى سنجد أن هناك دائما صراعا حوله، ومجموعات تخرج وتدعي أنه وحدها لها الحق في امتلاك المعنى، وتحصره في اتجاه واحد وتحاول أن تفرضه عليك. فهناك قراءات متعددة للنص الديني، وأن القراءة السائدة ليست حقيقة مطلقة، بل اجتهاد بشري قابل للنقاش والتطوير. المشكل هنا ليس في النص بل في الاستعمال، ويتفاقم هذا المشكل عندما نعتقد بأن التأويل الذي نقدمه هو الوحيد والأوحد ودونه باطل، عندما نضع التعاريف والحدود ونحصر معاني الآيات والنص في سياق ضيق، ونقول هذا هو المعنى ولا شيء غيره، هنا نفتح الباب أمام العنف بكل أشكاله، حين يصبح التأويل هو المأوى الأمثل للعنف، وإغلاق الطريق أمام كل تأويل مفتوح أمام التعددية، كما هو الشأن بالنسبة إلى طبقة من "العلماء" التي كانت تحتكر التأويل أو تخضعه لمراقبة قبلية ومسبقة، قبل أن تسحب منهم الثورة الرقمية البساط ليتم تجاوز هذه الطبقة التي حاولت أن تفرض نفسها وسيطا تم تجاوزه، بعد أن صار الناس يأخذون معلوماتهم وما يفيدهم من الانترنت رغم الفوضى التي تتخلل هذا المجال، ليظل السؤال معلقا كيف يمكن تنظيم التأويل؟ ألا يمكن القول إن المشكل في بنية النص نفسه؟ لا أعتقد أن المشكل في بنية النص، بقدر ما هو في عملية إسقاط الناس لتفسيراتهم الخاصة على النص، لأنه في المقام الأول شيء يُقرأ، ويجب أن يصمد أمام اختبار الزمن، وإذا لم يصمد فذلك لأنك أسقطت شخصيتك عليه، ومقاومة النص وصموده هي التي تسمح بإمكانية تعددية معانيه، وقراءة الكلمات بمعناها المعاصر لا بالمعنى الذي كانت عليه لحظة إنتاجها، وتتبع تطورها، وكمثال على ذلك فعل "كفر" كما ورد في القرآن له استعمالات عديدة، فهناك "الكفر بالنعمة" وهناك "الزرع" أي بمعنى تغطية البذور، فجذر الكلمة أو الفعل يحيل على "التغطية" أي أن الكافر يغطي آيات الله ويرفضها وينكرها، أي تغطية ما هو ظاهر وبديهي. بهذا المعنى فالمشكل دائما يظل مشكل فهم وتأويل؟ هذا طبيعي، أن يكون النص موضعا لصراع واختلاف حول التأويل والمعنى، فالفلاسفة أنفسهم لم يتفقوا أو يتوحدوا حول مفهوم واحد، وعندما نريد حصر المعنى في اتجاه واحد ندخل دائرة العنف. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن فتح الباب أمام التعددية؟ والجواب هنا أنه لا يمكن فتح هذا الباب إلا في اللحظة التي أومن فيها بأن فهمي وتفسيري هو واحد من بين أفهام وتفسيرات أخرى، وهذا هو الجانب الديمقراطي للتأويل، لهذا نجد في بعض النصوص التراثية وفي تعبير بعض كبار الفقهاء وعلماء الدين الذين كانوا يختمون قولهم بعبارة "والله أعلم"، التي تفتح الباب على نسبية الأحكام والاجتهادات ولا تتوقف عند تعريف أو تحديد معينين. الملاحظ أن العديد من مشاريع قراءة القرآن اقتربت من هذا الموضوع بنوع من الحذر في سياقات معينة، هل تعتقد أن لهذا الحذر ما يبرره اليوم؟ خلال لحظات الأزمات الكبرى يبحث الناس عن التوافق حول قاعدة صلبة، والقاعدة هنا هي الدين، فعندما نفقد الثقة في السياسة والمجتمع ماذا يبقى للناس كقاعدة صلبة، غير الإيمان والاعتقاد الذي ينطلق من بنية داخلية تصير هوية في حد ذاتها، وهو ما يجعل الاقتراب منها محفوفا بالمخاطر وقابلا لإشعال الجدل، لذا فإن الأبحاث التي يمكن أن نجريها على النص القرآني لا يمكن الكشف عنها، دون منهجية تربوية، للناس أو العلن لأن من شأن هذا أن يؤدي إلى العنف أو ردود أفعال غير متوقعة. أحاول تفكيك السرديات، والتي تعتبر أن الأديان قامت على "سرديات مؤسِسة"، ولذلك يجب تفكيك هذه السرديات لفهم رسالتها الأخلاقية والإنسانية، بعيداً عن القراءات الحرفية أو الأصولية. ألم يحن الوقت لبلورة خطاب أكثر جرأة في التعاطي مع التراث وتسمية الأشياء بمسمياتها؟ في كل الأحوال يجب علينا دائما استعادة التراث واسترجاعه، وهناك طرق عديدة لتحقيق هذه العملية والعودة لزيارة التراث، فمثلا كنت حريصا على استعادة شخصيات لغوية، مثل ابن منظور وابن فارس أو الخليل من أجل تعقب ما أسميه نوعا من فيزياء اللغة، من خلال التنقيب في تراثهم ليس بحثا عن المعنى، بل عن الحركة أو الإيماءة التي تكمن خلف الكلمات، فمثلا عندما تقرأ ابن فارس أو الخليل فهما لا يمنحانك فقط معنى الكلمة، بل أيضا المسالك المتعددة المؤدية إليه. ربما هو نوع من التأويلية؟ أقمت في "الهيرمينوطيقا" أو تأويلية بول ريكور مدة طويلة واستفدت منها التمييز بين مفهوم "الوحي" في ذاته وبين "النص" المكتوب أو المنطوق الذي يحمل هذا الوحي، وهو ما دفعني إلى تقديم مقاربة تعتبر أن النص القرآني يخضع لآليات القراءة والتأويل البشرية المتاحة. فالهيرمينوطيقا أو التأويلية تهتم بالمعنى، ولا يمكن تحقيق ذلك دون الاشتغال على إيماءة أو حركة الكلمة، وهذا "براديغم" جديد يسائل اللغة نفسها، بل يسائل الفلسفة أيضا، بحكم أنها أيضا تنطلق من المعنى وتبحث عنه، رغم أن المعنى بالنسبة إلي مسألة لاحقة وهناك أشياء سابقة عليه هي الحركة والإيماءة التي تم إيداعها في اللغة نفسها. أنت دائم الارتحال بين الفكر والأدب، هل تعتبر الثاني مكملا للأول؟ هناك بعض الأسئلة التي لا يمكن البحث لها عن إجابة إلا من خلال التخييل والإبداع بكافة تفرعاته، من رواية ومسرح وسينما وغيرها، فمثلا في راويتي الأخيرة "الرجل الذي يقرأ الكتب" حاولت أن أستعيد سؤال اللاإنسانية في القضية الفلسطينية، وسؤال العنف فيها، وهما سؤالان لو أردت ترجمتهما في بحث أو عمل فكري فلن أجد مخرجا سهلا منه، لهذا انطلقت من قصة كتبي بغزة للتعبير عما أريد قوله بهذا الشأن. الأدب يمنحك إمكانية الحديث بكل حرية وانطلاق عن قضايا سياسية وفكرية معقدة، فالأدب طريقة لرؤية العالم بطريقة أخرى ومغايرة، ويعبد الطريق للتفكير للفلاسفة وعلماء الاجتماع، والطريق الأقصر التي يمكن أن نسلكها إلى الواقــع، تمـــر عبــــــر التخييل، ولا يوجــــد هناك ما هــــــو أكثــــــر واقعيــة مــــن الخيــال نفسه. ما رأيك في مشاريع التنوير التي تبلورت في السنوات الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي (حامد عبد الصمد وهشام نوستيك...)؟ وإلى أي حد ترى أنها ساهمت في خلخلة مجموعة من الثوابت؟ ربما هي نقط مهمة للانطلاق لكنها ليست كل شيء، لأنها في النهاية تبلور نقاشا عقيما، من منطلق أنها بدورها سقطت في لعبة فرض تأويل ضد تأويل معين، وهذا لا يحمل أشياء كبيرة ومهمة، لأنه يكرس وضعا يجب تجاوزه، وهو الرغبة في الاستماع للذات فقط دون منح الفرصة لسماع الآخر، والوقوع في نوع من الاستعراض الذي يتعارض مع جوهر الفكر، فقد حان الوقت لفتح نقاش مباشر بين الأطراف المختلفة، من خلال اللقاءات والندوات والمناظرات وتطارح الأفكار بشكل مباشر. في سطور: < يعتبر رشيد بن الزين، من مواليد القنيطرة في 1971، واحدا من الكتاب والباحثين المثيرين للجدل، عرف بكتاباته التي تطالب بإعادة قراءة الإسلام قراءة عقلية متنورة، ما أجج عليه غضب الظلاميين والعديد من التيارات الإسلامية والسلفية. < سبق لرشيد بن الزين أن عين عضوا للجنة الخاصة بالنموذج التنموي، إلى جانب عضويته في مجلس الجالية المغربية بالخارج وسبق له أن نال وسام المكافأة الوطنية من المغرب ووسام الاستحقاق الوطني من درجة قائد من فرنسا. < سبق لرشيد بن الزين، الحاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم السياسية من جامعة باريس 5 وعلى إجازة في الاقتصاد من جامعة سان كانتان بفيرساي بفرنسا، أن أصدر العديد من المؤلفات القيّمة حول الإسلام في فرنسا وإسلام الأنوار والمفكرين الجدد في الإسلام وغيرها.