السياحة غير المهيكلة عبد الواحد كنفاوي انتشار الإيواء السياحي غير المنظم، يعكس فشل البرامج الحكومية والمؤسسات المصنفة في توفير عروض تستجيب لاحتياجات شرائح واسعة من الأسر. تعددت البرامج الهادفة إلى إنعاش السياحة الداخلية وتنوعت طيلة سنوات، لكنها لم تنجح في تحقيق أهدافها. وأدى هذا الفشل إلى تغيير في سلوك السياح، الذين أصبحوا يبحثون عن خيارات إقامة اقتصادية تناسب الميزانيات المحدودة، خاصة للمجموعات والعائلات التي تجد في الشقق العشوائية خيارا أرخص بكثير مقارنة بحجز غرف فندقية. ووفرت المنصات والتطبيقات الإلكترونية العالمية والمحلية بنية تحتية رقمية مجانية وسهلة الاستخدام، تتيح لأي فرد عرض عقاره وتأجيره بنقرة زر واحدة، بعيدا عن التعقيدات الإدارية. إن التمدد السريع للإيواء السياحي العشوائي لم يأت من فراغ، بل نتيجة تضافر عوامل عديدة تقنية واقتصادية واجتماعية، جعلت من هذا النشاط الموازي مصدرا مدرا للدخل وبديلا ملائما للأسر التي لا تجد الإمكانيات الضرورية للإقامة في مؤسسات الإيواء المصنفة. كما أن تراجع القدرة الشرائية، بفعل الأزمات الاقتصادية، دفع عددا من الأسر إلى تأجير شققها لتأمين دخل إضافي لمواجهة أعباء الحياة، مما أضفى طابعا اجتماعيا وقبولا محليا لهذا النشاط رغم عدم قانونيته. لكن الانعكاسات الاقتصادية لهذه الظاهرة تتجاوز مجرد منافسة غير عادلة مع الفنادق والمنشآت المصنفة، لتلقي بظلالها على عدة محاور حيوية، من أبرزها الهدر الضريبي، إذ تعمل معظم وحدات الإيواء العشوائي خارج رادارات إدارات الضرائب، ما يحرم خزينة الدولة من عائدات مهمة مثل ضرائب الدخل على القيمة المضافة ورسوم الإقامة السياحية التي يعاد تدويرها لتطوير البنية التحتية للمدن. كما أن الإيواء العشوائي يفتقر لآليات الرقابة والصحة والسلامة، ومعايير الجودة المعتمدة، ما يعني أن أي حادثة يتعرض لها السائح داخل هذه الوحدات غير المرخصة قد تترجم فورا إلى حملة إساءة للوجهة السياحية المغربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات لتلميع صورة الوجهة من جديد. إن معالجة ظاهرة الإيواء السياحي العشوائي لا تتطلب المنع المطلق الذي أثبت عدم نجاعته، بل تستدعي تبني إستراتيجية مرنة تقوم على التقنين والرقابة والتحفيز، لتحويل هذا القطاع الموازي إلى رافد اقتصادي منظم. ويفرض ذلك اعتماد إستراتيجية خاصة تروم تبسيط وتسهيل إجراءات الترخيص، من خلال إطلاق منصة عمومية موحدة ومبسطة تتيح للمواطنين تقديم طلب ترخيص دور ضيافة أو الشقق المفروشة، بشكل إلكترونيا خلال دقائق بشروط ميسرة تراعي السلامة والأمن، ما يشجع أصحاب العقارات على الخروج من الظل إلى القطاع الرسمي دون الخوف من البيروقراطية. كما يتعين إعفاء الوحدات التي تنضم للقطاع المهيكل من الضرائب لفترة معينة وتوفير دعم تقني وتسويقي للوافدين الجدد، عبر إدراجها في البوابات السياحية الرسمية، ما يجعل خيار التقنين أكثر جاذبية من البقاء في العشوائية. ويجب العمل على إلزام المنصات الرقمية، المتخصصة في الحجز السياحي، بالامتثال للضوابط القانونية المنظمة للمجال، من خلال توقيع اتفاقيات معها تمنع عرض أي وحدة سكنية ما لم تحمل رقما مرجعيا صادرا عن وزارة السياحة، مع فرض آلية للاقتطاع الضريبي المباشر، مثل الضريبة على القيمة المضافة أو الرسم على الإقامة، ما من شأنه أن ينعش الموارد الضريبية ويضمن شروط منافسة متكافئة ويساهم في تقليص دائرة الإيواء السياحي غير المهيكل.