طالت قضايا ثقيلة بمراكش ضمنها ملف تبديد أملاك الدولة وتفويتها تحت غطاء تشجيع الاستثمار تتواصل تداعيات التصعيد غير المسبوق في صفوف المحامين الذين قرروا خوض إضرابات واعتصامات مفتوحة شلت مختلف محاكم المملكة، احتجاجا على مصادقة البرلمان على مشروع القانون المنظم للمهنة 66.23، بتفاقم معاناة المتقاضين وتعطل ملفات ثقيلة، في مقدمتها ملفات جرائم المال العام التي تحظى بمتابعة كبيرة من قبل مختلف مكونات الرأي العام. إعداد: محمد بها تأثرت ملفات جرائم الأموال بمراكش بسبب قرار إضراب المحامين الذي مازال مستمرا، رغم مصادقة البرلمان على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، ورغم إحالة مشروع القانون من قبل مجلس النواب على المحكمة الدستورية. وتسبب تعليق العمل بالمحاكم في تأجيل مئات الجلسات يوميا على الصعيد الوطني، من بينها الغرفة المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بمراكش، التي تعرف جملة من القضايا ضمنها ملف تبديد أملاك الدولة، حيث تم تعليق قضية المال العام، بعد قرار هيأة الحكم منح مهلة إضافية لإعداد الدفاع، في انتظار مواصلة النظر في القضية التي يرى المتتبعون أنها ستعرف تطورات مثيرة خلال مرحلة المناقشة في حال ما قرر المحامون استئناف العمل. أملاك الدولة بين التأخير القضائي والضغط الشعبي أعاد تأجيل ملف تبديد أملاك الدولة على ضوء تداعيات الشلل الذي تعرفه محاكم المملكة بسبب إضرابات المحامين، النقاش حول قضايا تتعلق بتدبير أملاك الدولة والعقارات العمومية، باعتبارها ملفات تتضمن شبهات تفويت واستغلال للملك العام، وتهم الرأي العام المحلي الذي يطالب بالحسم القضائي فيها. ويستأثر الملف المشهور إعلاميا بـ"ملف تبديد أملاك الدولة" باهتمام كبير من قبل الرأي العام لما يتضمنه من معطيات تسلط الضوء على جرائم تبديد عقارات للدولة توجد بمناطق إستراتيجية، وكيفية تفويتها لعلية القوم تحت غطاء تشجيع الاستثمار، ما تسبب في حرمان خزينة الدولة من ملايير الدراهم، وهي الفضيحة التي كشفت الغطاء عن شخصيات كبيرة استغلت نفوذها ووظفت القرار العمومي لخدمة مصالح شخصية، في ظل نتائجها السلبية التي أضرت بالمجتمع، عامة، وبسكان جهة مراكش آسفي، خاصة، في الوقت الذي كان يجدر بالمتهمين استغلال سلطتهم لرفع تحديات الاستثمار الحقيقي وتحقيق التنمية والتشغيل وإنتاج الثروة وليس التواطؤ لتبديد المال العام. ومع استمرار إضراب المحامين، تم تعليق النظر في ملف "تفويت أملاك الدولة"، إضافة إلى جملة من ملفات تتعلق بجرائم الأموال، الأمر الذي يغذي إحساسا لدى المواطنين بـ"تجميد" المحاسبة في وقت تحتاج فيه عاصمة السياحة إلى تسريع وتيرة المحاسبة، في ظل الأوراش المفتوحة للإعداد لاستضافة عرس "مونديال 2030". تشجيع الاستثمار... التدليس السهل من خلال محاولات سبر ملف "تبديد أملاك الدولة" الذي يوجد تحت مجهر غرفة جرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بمراكش، تظهره أهميته التي لا تحتمل كثرة التأجيلات، في ظل تورط شخصيات وازنة، من بينها مسؤولون نافذون بالمدينة ومنتخبون ومنعشون عقاريون، في الاستيلاء على عقارات للدولة بالتدليس وتوزيع غنائمها في ما بينهم، بالاستعانة بمؤسسات عمومية للحصول على العقار العمومي بأثمنة رمزية، ضمنه أملاك تابعة للملك الخاص للدولة وممتلكات تابعة لوزارة الأوقاف، في استغلال لجنة الاستثناءات للسطو على عقارات الدولة، تحت غطاء تشجيع الاستثمار، في حين أن الحقيقة لم تكن سوى الرغبة في مراكمة الثروة على حساب الصالح العام. شخصيات وازنة في ورطة تهم ثقيلة من خلال الاطلاع على صك المتابعة، يظهر أن الملف يحفل بالكثير من عناصر التشويق والإثارة، لما يتضمنه من معطيات خطيرة طوقت أعناق مسؤولين كبار عن الشأن العام المحلي بمراكش، فإضافة إلى عبد الفتاح لبجيوي، والي جهة مراكش آسفي المعزول، يوجد محمد العربي بلقايد، عمدة مراكش السابق، ضمن لائحة المتهمين، وكذا إدريس العمري العلوي، المدير الإقليمي السابق للأملاك المخزنية، وعبد الرحيم بوعلالة، المدير الجهوي السابق للأملاك المخزنية، وإبراهيم خير الدين، المدير الجهوي السابق لمركز الاستثمار، وخالد وية، المدير السابق للوكالة الحضرية، ورشيد لهنا، الرئيس السابق لقسم التعمير بولاية جهة مراكش آسفي، وهم المتهمون الذين وجهت لهم جنايتا تبديد أموال موضوعة تحت يد موظف عمومي بمقتضى وظيفته والمساهمة في تزوير محررات رسمية. ويتابع في الملف أيضا، إسماعيل لمغاري، الرئيس السابق لمقاطعة سيدي يوسف بن علي، والذي يشغل حاليا منصب نائب عمدة مراكش، من أجل تلقي فائدة في عقد، في حين توبع يونس بنسليمان، نائب العمدة السابق وهو برلماني ونائب رئيس جهة مراكش آسفي، من أجل جنايات "تبديد أموال موضوعة تحت يد موظف عمومي بمقتضى وظيفته وتلقي فائدة في عقد واستعمال محرر رسمي مزور"، فيما توبع عبد العزيز البنين، البرلماني السابق وعضو المجلس الجماعي لمراكش وعضو مجلس جهة مراكش آسفي، بجنايتي "المشاركة في تبديد أموال عامة موضوعة تحت يد موظف عمومي بمقتضى وظيفته واستعمال محرر رسمي مزور"، ووجهت لعبد الحميد المتعلق بالله (مسير مجموعة شركات خاصة بيونس بنسليمان)، جنايات "المشاركة في تبديد أموال عامة موضوعة تحت يد موظف عمومي بمقتضى وظيفته واستعمال محرر رسمي مزور، والمشاركة في تلقي فائدة في عقد". ومن خلال جلسات المحاكمة التي يتابع فيها مسؤولون كبار، منهم من هو في حالة اعتقال وآخرون في حالة سراح، أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بمراكش، يتضح أن الملف يحمل عناصر التشويق والإثارة، بعدما سيتم الكشف عن عناصر إثبات ضد المتهمين، الذين يحاولون تبرئة أنفسهم من تهم ثقيلة تواجههم بعدما استغلوا النفوذ لتفويت أملاك الدولة بغير وجه حق طمعا في تحقيق الاغتناء السريع. لجنة الاستثناءات...شرعنة التفويت من بين المعطيات الخطيرة التي تكشف كيف تم تسهيل التلاعب بأملاك الدولة، أن عشرات الهكتارات المملوكة للدولة تم تفويتها، في إطار لجنة الاستثناءات، لمنتخبين ومضاربين، وضمنها عقارات كان مقررا أن تحتضن مرافق عمومية في إطار المشروع الملكي "مراكش الحاضرة المتجددة" ولذلك تعثر أو تمت عرقلة هذا المشروع الضخم، الرامي إلى تأهيل و هيكلة المدينة الحمراء. ويتعلق الأمر ببقعتين أرضيتين بمنطقة العزوزية بمقاطعة المنارة مجاورتين للمحطة الطرقية الجديدة التي أضحت "بناية شبح" بعد أن تواصل مسلسل إغلاقها لسنوات في ظل تعثر برنامج تشغيلها للقيام بدورها كباقي المحطات، إذ سبق للمجلس الجماعي لمراكش، أن خصص ثلاث بقع في ملك الدولة، لبناء المحطة الطرقية على الأولى والبالغة مساحتها 6 هكتارات، والبقعة الثانية من أجل إنشاء محطة لوقوف سيارات الأجرة، وتوسيع السوق البلدي للعزوزية على الثالثة. وبلغت المساحة الإجمالية للبقعتين الثانية والثالثة حوالي 5900 متر مربع، غير أنه وفي ظروف غامضة، توقفت مسطرة الاقتناء للبقعتين الأخيرتين وتم تفويتهما للخواص في ظروف مشبوهة، إذ تحولتا إلى ورشين لبناء فندق ومحطة لتوزيع المحروقات، وهما المشروعان اللذان تمت المصادقة عليهما في إطار لجنة الاستثناءات، التي ترأسها عبد الفتاح لبجيوي، الوالي السابق المعزول. المحامي بين الدفاع عن الصالح العام واستقلالية المهنة لتسليط الضوء على التداعيات السلبية للشلل الذي تعرفه المحاكم، خاصة قضايا جرائم الأموال، في ظل معاناة معتقل ينتظر محاكمته، ودولة تنتظر استرجاع مال عام تم نهبه أو تبديده، وإرهاق النيابة العامة والقضاء بسبب مواجهة تراكم غير مسبوق للملفات، ما ينذر بضغط مضاعف عند استئناف العمل، ربطت "الصباح" الاتصال بعدد من المحامين. ورغم تحفظ مجموعة من المحامين الذين حاولت "الصباح" استبقاء وجهات نظرهم عن تداعيات إضرابهم المفتوح عن العمل، إلا أن بعضهم اختار الإدلاء بدلوه على مضض، ولكن بطلب عدم الكشف عن اسمه، تجنبا للإحراج في موضوع يهم الصالح العام ومصير ملف لا يقل أهمية عنه ويخص الدفاع عن استقلالية المهنة وما يرافقها من حقوق المتقاضين. وكشف بعض المحامين المحتجين أنهم متفقون مع عدم تأجيل الملفات الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا جرائم الأموال التي تم فيها اختلاس وتبديد أموال عمومية، إلا أنهم استدركوا قولهم بأن إضرابهم يأتي دفاعا عن استقلال المهنة وضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما يجعل خلفيات إضرابهم المفتوح شأنا مصيريا يخص المجتمع برمته وليس متعلقا بفئة معينة.