نجاح جماهيري وتنظيمي جعل من حفل أكادير تظاهرة ثقافية بامتياز غصت مدرجات مسرح الهواء الطلق بأكادير، مساء السبت الماضي، بآلاف المتفرجين الذين حجوا لمتابعة العرض الموسيقي "أشكاد أنحوش"، بقيادة الفنان هشام ماسين، في سهرة فنية استثنائية أعادت الاعتبار للأغنية الأمازيغية السوسية، وحولت فضاء المسرح إلى موعد جماهيري احتفالي امتزجت فيه الموسيقى بالذاكرة الجماعية لعشاق هذا اللون الغنائي الأصيل. وتوافدت حشود غفيرة من مختلف مناطق جهة سوس ماسة نحو فضاء الحفل، حيث امتلأت مدرجات المسرح عن آخرها، في مشهد يعكس عمق ارتباط الجمهور بالموروث الموسيقي الأمازيغي، كما أضفت الأزياء الأمازيغية التقليدية التي ارتداها عدد كبير من الحاضرين لمسة احتفالية خاصة، جعلت من الأمسية مناسبة للاحتفاء بالهوية والثقافة والتراث، وشكل هذا الموعد الفني، تجربة فريدة حملت شعار "أغان أمازيغية سوسية بصوت الجمهور"، حيث لم يقتصر دور الحاضرين على متابعة العرض، بل تحولوا إلى شركاء حقيقيين في صناعة الفرجة، من خلال التفاعل الجماعي وترديد الأغاني الخالدة التي طبعت وجدان أجيال متعاقبة من أبناء المنطقة. ولأكثر من ساعتين، قاد هشام ماسين أوركسترا موسيقية متكاملة قدمت باقة من أشهر الأعمال التي صنعت مجد الأغنية الأمازيغية السوسية، مستحضرة روائع الحاج بلعيد، ومجموعة إزنزارن، والحاج أعراب أتيكي، ومبارك أيسار، وغيرهم من رواد هذا الفن. وقد نجحت التوزيعات الموسيقية الحديثة في منح هذه الأعمال روحا جديدة حافظت على أصالتها التراثية، وقدمتها في قالب فني معاصر، نال إعجاب الجمهور، وخلال مختلف فقرات السهرة، صدحت حناجر الآلاف بالأغاني التي شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية للمنطقة، في مشهد جسد قوة حضور الأغنية الأمازيغية في الوعي الثقافي للسكان، وقدرتها على جمع مختلف الأجيال حول قيم الانتماء والهوية والتشبث بالجذور. ولم يكن "أشكاد أنحوش" مجرد حفل موسيقي عابر، بل تحول إلى تظاهرة ثقافية بامتياز أعادت تسليط الضوء على الغنى الفني والإنساني الذي تختزنه الأغنية الأمازيغية السوسية، باعتبارها مرآة تعكس تاريخ المنطقة، وتحفظ تفاصيل الحياة اليومية وقصص الحب والهجرة والكفاح والأمل التي رافقت أجيالا متعاقبة من أبناء سوس. كما عكس النجاح الجماهيري والتنظيمي الباهر لهذه التظاهرة الحركية الثقافية المتنامية التي تشهدها أكادير، والطموح المتزايد لجعل الثقافة الأمازيغية رافعة للتنمية والإشعاع الحضاري، في ظل تنامي الاهتمام بهذا الموروث الفني داخل المغرب وخارجه. واستهلت الأمسية بفقرة تنشيطية أبدع فيها الفنان حميد أشتوك، قبل أن تتواصل فصول السهرة وسط أجواء من الحماس والتصفيق والتفاعل المتواصل، لتنتهي على وقع لحظات مؤثرة جسدت حجم الشغف الذي يكنه الجمهور للأغنية الأمازيغية السوسية، كما رسخ "أشكاد أنحوش" مكانته واحدا من أبرز الأحداث الفنية التي عرفتها أكادير في السنوات الأخيرة، مؤكدا أن الأغنية الأمازيغية السوسية ما تزال تمتلك القدرة على الإبداع والتجدد وصناعة لحظات استثنائية ستظل عالقة في ذاكرة الجمهور لسنوات طويلة. عبد الجليل شاهي (أكادير)