fbpx
دوليات

” آية الله ” القرضاوي… أمير الظلام

تحول كبير علماء السنيين إلى زعيم شيعي في ميدان التحرير وأهدر دم القذافي من منبر الجزيرة وعشق سرا طالبة جزائرية تصغره بـ60 سنة

حدثان ونزوة أعادت الشيخ يوسف القرضاوي، كبير علماء مسلمي السنة، إلى دائرة النقاش الساخن، وسلطت الضوء، من جديد، على رجل غريب الأطوار، هوايته المفضلة حشد أكبر عدد من المشايعين والأتباع والمريدين، ومثلهم من الخصوم

والمناوئين والأعداء والمطالبين بدمه. الحدث الأول، دخول القرضاوي ميدان التحرير يوم جمعة النصر محمولا على أكتاف خطبة عصماء حضرها أزيد من مليوني مصري، ذكرت الجميع بخطبة آية الله الخميني، حين عاد
من باريس إثر الانقلاب على الحكم الملكي في إيران.  والثاني، يتعلق بإصدار فتوى هدر دم العقيد معمر القذافي، الزعيم الليبي، واعتبار دمه حلالا على كل مسلم، جراء المجازر الدموية التي يرتكبها في حق شعبه. أما النزوة
فتحمل توقيع “الصغيرة” أسماء الجزائرية التي اكتشف العالم الإسلامي، قبل شهور، أن الشيخ ضمها إلى حريمه بعد قصة حب جارف بدأ شعرا “عذريا” في مدرجات الجامعة. فمن يكون هذا الرجل؟ وأي قوة خفية تسنده
وتزين له تحركاته وفتاواه وخرجاته الإعلامية منذ أكثر من عقد؟ وما الذي يجعل من القرضاوي “بابا” سنيا معمدا في عيون البعض، ورجلا بفضائح ونزوات جنسية وفكرية ودينية في نظر آخرين؟

“آية الله القرضاوي”، اللقب الجديد الذي انضاف إلى لائحة ألقاب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وقد حظي القرضاوي بهذا “التتويج”، مباشرة بعد نزوله، مثل مظلي محنك، يوم الجمعة 18 فبراير الماضي، فوق ميدان التحرير، وفسح له حراسه الشداد الغلاظ المكان للاستيلاء على منبر خطبة صلاة الجمعة، الأولى بعد نجاح ثورة 25 يناير، ما أعطى الانطباع إلى الرأي العام العالمي أن من خطط ونفذ وحشد إلى الهبة الشعبية المصرية التي انتهت بالإطاحة بنظام حسني مبارك لم يكن سوى جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي كان “طبيعيا” أن يعود أحد شيوخهم من “منفاه القسري” بالدوحة ليتسلم مقود القيادة بعدها.

خميني زمانه
الحدث يحيل، في كثير من تفاصيله الرمزية، على رجل آخر اسمه آية الله الخميني الذي نزل، في ليلة باردة يوم 1 فبراير 1979، بطائرة تحمل الخطوط الجوية الفرنسية وسط حشد غفير من الإيرانيين قدر عددهم بثلاثة ملايين مواطن، جاؤوا يباركون عودة هذا “الشيخ الشيعي المجاهد”، بعد نجاحه في قيادة ثورة إسلامية من مقر إقامته بباريس ضد الملك محمد رضا بهلوي، لكن سرعان ما انقلب الحلم من دولة ديمقراطية بدستور ليبرالي إلى ولاية للفقيه يحكم فيها “الآيات” الشعب الإيراني بقوة تأويل قطعي للنصوص والشريعة، ومن حوار مع أمريكا بدأ منذ أن كان الخميني في العاصمة الفرنسية، إلى قطيعة وحرب مفتوحة مع “الشيطان الأكبر” على قاعدة تصدير الإسلام الشيعي الفارسي والأسلحة النووية التي لم تزدها الأيام سوى لهيبا.
ولم يخف عدد من المصريين شكوكهم في أن القرضاوي يسعى إلى أن يكون صورة سنية مصرية للإمام الخميني، لذلك أطلقوا عليه لقب “آية الله القرضاوي”، لكن المفارقة أن عالم علماء المسلمين كان حتى السنوات الأخيرة يشك في القدرة على إحداث تغيير سياسي في مصر مفضلا تعزيز صورته في قطر، أما الآن فقد بات يؤمن بأن ميزان القوى في مصر قد تغير، وأن الإخوان المسلمين يقبضون بالنواجذ على فرصتهم التاريخية التي انتظروها أكثر من ستة عقود، وللقرضاوي وزملائه، في هذا الصدد، ورقتان مهمتان للعب هذا الدور هما: مال قطر السائب، وقناة الجزيرة التي حولت القرضاوي من زعيم ديني مصري إلى أهم مـفت إسلامي في العالم من خلال مشاركته  في البرنامج الأسبوعي “الشريعة والحياة” الذي جعل القرضاوي شخصية مركزية في العالم الإسلامي يقام له ولا يقعد، وثقلت موازينه لدى حكام الدوحة الذين أسبغ عليهم “الشرعية الإسلامية”، مقابل الرعاية الأميرية السخية التي حولت شيخ العلماء إلى واحد من أكبر المستثمرين في البنوك الإسلامية تذر عليه شهريا ملايين الدولارات.

السطو على الثورة
عودة القرضاوي، بهذا الإخراج السينمائي المخطط له سلفا، إلى الساحة المصرية أضفى هالة من الخوف على شباب 25 يناير الذين وضعوا أياديهم على قلوبهم وهم ينتظرون وضع اللمسات الأخيرة على سرقة ثورتهم التي منحوا من أجلها أكثر من 360 شهيدا وشهيدة في ريعان العمر، وقد بدت ملامح هذا السطو واضحة، حين انبرى حراس القرضاوي إلى منع الشاب وائل غنيم، الذي تصفه الصحافة العربية والدولية بمحرك الثورة المصرية، من الصعود إلى منصة الخطابة والوقوف إلى جانب الشيخ الورع، ما خلف انطباعا سيئا في نفوس الشباب الذين علقوا على ذلك بحنق على حيطانهم في صفحات المواقع الاجتـــماعية.
في هذا اليوم، بكى القرضاوي أمام كاميرات العالم، وأثنى على الثورة المصرية (تابع أطوارها من قصره الفسيح بالدوحة) التي سمحت له بمعانقة أم الدنيا، بعد غياب قصري دام عشرات السنوات ظل، خلالها، مشردا في قطر ودول الخليج تتعقبه أحكام السجن المؤبد التي صدرت في حقه منذ عهدي جمال عبد الناصر والسادات وبعدهما مبارك بـ”جريرة” انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين.
لكن الحقيقة، التي جاءت على لسان رئيس مفوضية إسرائيل في قطر والمطلع بحكم عمله على عدد من الملفات السرية في هذا القطر العربي، هي غير ما يدعيه يوسف القرضاوي الذي ظل يتردد على مصر، وقت ما شاء.
ومن ذلك أنه سافر إلى القاهرة يوم 31 غشت 2006، وألقى خطابا ناريا في تجمع لاتحاد الصحافيين المصريين، دون أن تعتقله السلطات المصرية، أو تضايقه، كما أن القرضاوي، يضيف المسؤول الإسرائيلي، غير ممنوع من السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو الشيطان الأكبر حسب وصفه.
وينقل رئيس مفوضية إسرائيل في قطر عن السفيرة الأمريكية اليزابيث ماكيون، في هذا السياق، قولها «إنها اعتادت لقاء القرضاوي وإن الزعيم الورع قال لها من جملة ما قال إن ابنته تدرس في لندن وإنها لا تضع الحجاب على رأسها. وقالت ماكيون لم يقدم القرضاوي طلب تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة ولو قدمها لحصل عليها. وقد قدر الأمريكيون سبب الإشاعات بأن القرضاوي مطرود من مصر وممنوع من دخول أمريكا بأنه يعود لرغبة القرضاوي في تعزيز صورته في العالم الإسلامي لأنه يعارض الغرب والزعماء الفاسدين الذين يأتمرون بـإمرته.

دم القذافي مستباح
ما إن اطمئن القرضاوي إلى وصول رسائل جمعة النصر بميدان التحرير إلى من من يهم الأمر، حتى سارع إلى قناة «الجزيرة» متحدثا بصفته رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مطلقا فتوى من العيار الثقيل تقضي بهدر دم العقيد معمر القذافي، مهيبا بالجيش الليبي عدم إطاعة أوامر إطلاق النار على المتظاهرين «لأنها معصية»، ودعا الشعب الليبي إلى أن «يثبت ويصبر في وجه الظلم»، وقال بشكل حاسم «أنا هنا أفتي من يستطيع من الجيش الليبي أن يطلق رصاصة على القذافي فليقتله وليرح الناس من شره».
الفتوى الغريبة التي تعود بالمسلمين إلى زمن القصاص وتضرب في صفر عشرات التشريعات المدنية التي تقضي بتقديم المتهمين في أعمال إجرام دولية إلى المحاكم التي لها الحق وحدها في إصدار الحكم التي تراه مناسبا، تذكر بفتوى أخرى للخميني الذي أهدر سنة 1989 دم كاتب بريطاني اسمه سلمان رشدي صاحب مؤلف «آيات شيطانية» ليتبين في ما بعد أن الأمر يتعلق بمحاولة التغطية على مشاكل الحكم الداخلية بإيران بافتعال مشكل خارجي حشد للخميني، وقتذاك، مزيدا من التأييد في صفوف مسلمي العالم.
فتوى بهدر دم القذافي أعادت إلى الواجهة الجدل حول خرجات يوسف القرضاوي وآرائه الفقهية التي قلما تلقى ترحيبا عند بعض العلماء، لأنه في نظرهم يقدم الرأي الشخصي على الدليل الشرعي خضوعا لضغوط العصر الحديث.
لكن مناصري القرضاوي يقولون إنه استطاع الوصول إلى آراء فقهية تستند إلى قواعد واضحة في أصول الفقه مثل الجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر عن طريق البحث في مناسبة الحديث، إضافة إلى دراسة المذاهب الفقهية المقارنة للوصول إلى الرأي الراجح.
صاحب فتوى «جواز تناول مشروبات تحوي كميات ضئيلة من الكحول» يصول ويجول في عالم الفتاوى في الدين والسياسة والاقتصاد وعلمي الاجتماع والنفس وفي علوم الحياة والفيزياء، أحيانا بسند صحيح، وفي أحايين كثيرة برغبة في ملء وقت برامج القنوات الفضائية، وإرضاء لجمهور واسع من المشاهدين يريدون سماع ما يرغبون فيه هم وليست الحقيقة.
ومن هذه الفتاوى التي أثارت احتجاجا واسعا في فلسطين، فتواه برجم الرئيس الفلسطيني محمود عباس إذا ثبتت مشاركته في حرب غزة، وعقب ذلك، علقت في الضفة الغربية صور ضخمة للقرضاوي يظهر فيها مصافحا يهودا إسرائيليين. ووقعت مصادمات بين مصلين وأئمة بعض المساجد الذين خصصوا خطبة الجمعة للهجوم على القرضاوي بناء على تعليمات من وزارة الأوقاف التابعة لحكومة تصريف الأعمال.

نزوة جزائرية
بين «الشريعة والحياة» والتزاماته العلمية في جامعات قطر وأسفار لامنتهية إلى بقاع العالم في إطار أنشطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يجد القرضاوي متسعا من الوقت لتلبية رغباته العاطفية، خارج مؤسسة الزواج، ومن هذه العلاقات الأكثر شهرة ارتباطه بطالبة جزائرية تصغره بحوالي ستين سنة وقع في غرامها، باعترافه شخصيا، منذ لحظة لقائه بها في منتصف الثمانينات، عندما كانت لا تزال طالبة رياضيات في إحدى الجامعات الجزائرية.وروت صحيفة «نهضة مصر» في فصل من كتاب «أوراق من مذكرات الشيخ القرضاوي» أن الأخير أعجب بأسماء، بعدما ألقت مداخلة في إحدى الندوات دفاعا عن الحجاب، فكان أن سعى إلى التعرف عليها وسارع إلى بث أشواقه في رسالة بعثها إليها في سنة 1989 بعد سنوات من ذلك اللقاء.
ويكتب الداعية الإسلامي في المذكرات نفسها، «لقد شاء الله أن يتطور الإعجاب إلى عاطفة دافقة وحب عميق لا يدور حول الجسد والحس، كما هو عند كثير من الناس، بل يدور حول معان مركبة امتزج فيها العقل بالحس، والروح بالجسم، والمعنى بالمبنى، والقلب بالقلب وهذا لا يعرفه إلا من عاشه وعاناه»، ويضيف القرضاوي أنه تردد كثيرا خاصة بسبب فارق السن «إلا أنه سرعان ما انقشع سحاب التردد، حيث أشرقت شمس الحب..كان الحب أقوى من الخوف فكان أن ينتهي هذا الحب الطاهر إلى ما شرعه الله ورسوله للمتحابين من زواج»، ويحلق القرضاوي عاليا باسم الحب ويقول «هكذا هو الحب جنون، والجنون فنون والحياة شجون ولله في خلقه شؤون»..الله أكبر.
من جانبها، خصت الزوجة الشابة أسماء بن قادة جريدة «الشروق» الجزائرية بحوار مطول سردت فيه تفاصيل علاقتها بالقرضاوي وكشفت عن مضمون الرسائل العاشقة وقصائد الغزل المطولة التي كان يبعثها إليها خلال سنوات تعارفهما، وكيف أن والدها رفض في البداية هذه العلاقة غير المتكافئة، كما رفض ارتباط ابنته بالشيخ ارتباطا شرعيا، قبل أن يرضخ في الأخير تحت ضغوطات من شخصيات سامية قطرية وجزائرية.
وكانت أسماء، الحاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتلت منذ ارتباطها بالقرضاوي، مناصب عدة، وانضوت تحت راية تنظيمات كبيرة في العالمين العربي والإسلامي، من بينها، مجلس أمناء النساء المسلمات، ومجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قبل أن تنتقل للعمل منتجة برامج في قناة «الجزيرة» القطرية، ما اثار حفيظة أبنائه وبناته من الزوجة المصرية الأولى «إسعاد عبد الجواد» التي ارتبط بها سنة 1958 وانجب منها إلهام (1959) وسهام (1960) ومحمد (1967) وعبد الرحمان (1970) وأسامة (1972)، كما أثار انكشاف زواجه من أسماء زوبعة من الاحتجاجات في صفوف العلماء المسلمين، اضطره في النهاية إلى إعلان طلاقه منها طلاقا بائنا، بينما كان يؤدي مناسك الحج، وذلك بعد 15 سنة من الزواج.


شيخ في خدمة الإخوان المسلمين

يقدم يوسف القرضاوي نفسه في بوابته «قرضاوي بوان نيت» باسم الشيخ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي.
ولد في مصر بتاريخ 9 شتنبر 1926 ونشأ فيها، حفظ القرآن الكريم وجوده وهو دون العاشرة، أتم تعليمه في الأزهر الشريف. وحصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين سنة 1953، وعلى إجازة التدريس سنة 1954، وكان ترتيبه الأول في كليتيهما، وفي سنة 1960 حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين، كما حصل على الدكتوراه برتبة الشرف الأولى سنة 1973.عمل القرضاوي، بعد تخرجه، في مراقبة الشؤون الدينية بالأوقاف وإدارة الثقافة الإسلامية بالأزهر، ثم أعير إلى قطر مديرا لمعهدها الديني، فرئيسا مؤسسا لقسم الدراسات الإسلامية بكليتي التربية، ثم عميدا مؤسسا لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ومديرا لمركز بحوث السنة والسيرة الذي كلف بتأسيسه ومازال يـــديره.
لكن ما لم يذكره الموقع ومر عليه مرور الكرام بعبارة فضفاضة من قبيل «مشاركته في الحركة الإسلامية»، انتماءه الروحي والتنظيمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي ناصبت العداء إلى النظام المصري منذ الخمسينات، بل أصبح، في وقت من الأوقات أبرز قياداتها في العالم ومنظرها الأول، وكثيرا ما عرض عليه تولي منصب المرشد العام للجماعة، لكنه ظل يرفض لأسباب غير معروفة دون أن يفقد مهمته الأساسية ناطقا رسميا باسمها في قطر.
وإلى القرضاوي وحده يرجع فضل التأريخ إلى سيرة الجماعة الإسلامية الأكبر في العالم الإسلامي من خلال كتاب «الإخوان المسلمون سبعون عاما في الدعوة والتربية والجهاد» الذي تناول تاريخ الجماعة منذ نشأتها إلى نهايات القرن العشرين ودورها الدعوي والثقافي والاجتماعي في مصر ودول العالم التي تضم فروعا للإخوان المسلمين.
ويعتبر القرضاوي من أشد المناصرين لتولي جماعة الإخوان الحكم في مصر، باعتبارها «الجماعة الإسلامية الوسطية المنشودة»، ووصف أنصارها بأنهم «أفضل مجموعات الشعب المصري بسلوكهم وأخلاقياتهم وفكرهم وأكثرهم استقامة ونقاء». وكثيرا ما كتب وقال إن مشروع الإمام حسن البنا هو «المشروع السني الذي يحتاج إلى تفعيل».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى