تخيلوا.. نحن الآن في الجمعة 9 أكتوبر 2026. يتوقف طابور سيارات بلون أسود وحرف "جيم" أحمر، يقوده برلمانيون سابقون ورؤساء جماعات ومقاطعات ومنتخبون في غرف مهنية ومسؤولون في أحزاب ونقابات وهيآت مدنية، قرب شارع محمد الخامس بالرباط. منتخبون سابقون، أو حاليون، جاؤوا من كل المدن والأقاليم والعمالات، في مهمة وطنية واحدة: توصيل أبنائهم "الناجحين" في انتخابات مجلس النواب، لحضور جلسة افتتاح السنة التشريعية الأولى. من وجهة نظر الكثير منهم، يعتبر "هذا التوصيل"، مهما جدا، لربط الماضي بالحاضر، وتعبيد الطريق، وتوزيع إحساس بالألفة مع المكان، ورفع الدهشة عن الوافدين الجدد، وأغلبهم من مواليد ما بعد تسعينات القرن الماضي. طبعا، في مناسبة "تاريخية" و"إنسانية" مثل هاته، يمكن أن تروا بأم أعينكم فورة الأحاسيس والمشاعر الجياشة بهذا الإنجاز العظيم، حين يتنازل الأب لابنه عن مقعد في مجلس النواب، كما ترون دموع الفرح والاعتزاز والفخر والانتصار بادية على محيا "الآباء والأمهات"، وهم يترجلون من السيارات، ويفتحون الأبواب، ويصحبون "فلذات أكبادهم" بلباسهم التقليدي المميز إلى الباب الرئيسي للقبة. يغمرونهم قبلا وعناقا ودعوات، ويستودعونهم الله الذي لا تضيع ودائعه في هذا الفضاء الجميل، الداخل إليه مولود، والخارج منه مولود أيضا. مشهد سيذكر الجميع ببداية الدخول المدرسي، حين يرافق الآباء أطفالهم الصغار بعمر 3 سنوات و4، بحقائب ظهر وملابس صيف جديدة، ويطمئنون على دخولهم إلى فصول "كي جي وان"، كي يتلمسوا الخطوات الأولى للتعليم الأساسي في المستوى الأول. من منا لا يتذكر هذه المرحلة الأساسية في عمره، حين تنقبض صدور "أولياء الأمور"، وهم يتخلون، لأول مرة، عن أبنائهم في المدرسة، ويعودون دونهم إلى المنازل، ثم يعدون الدقائق، وهم ينتظرون خروجهم على أحر من الجمر في المساء. لكن الأمر مختلف في حالة الوافدين الجدد على مجلس النواب من أبناء السياسيين المتقاعدين، ولا علاقة له بالخوف الأبوي، بل باطمئنان حاسم على المستقبل، إذ يحرص أصحاب السلالة نفسها على إيصال "غرسهم" إلى "بر الأمان"، بطريقة "ديليفري"، ثم لن يعودوا أبدا. أبناء بالنطفة نفسها والحمض النووي نفسه، بالملامح ورسم الوجوه والبطون نفسها، وبنمط التفكير نفسه الذي لم يمر يوما بجانب هذا البيت "إن الفتى من يقول ها أنا ذا... ليس الفتى من يقول كان أبي". أبناء صغار من "أنواع" مختلفة، سيلتقون في هذا اليوم، وسيفتحون، دفاتر التعارف بينهم، ويتبادلون أرقام الهواتف، وحسابات "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك"، ويتذوقون الحلوى باستحياء، في انتظار التهامها في الأيام المقبلة. وبين رشفة عصير وأخرى، يحمدون الله على "خالات جميلات" موجودات في العرس على الدوام. للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma