بقلم: ذ. صلاح الدين شنقيط (*) على مدار سنوات الولاية الحكومية الحالية، لم تشتك الأغلبية، قط. لم ينفرط عقدها، ولم تصدح الصحافة بخلافاتها وتناقضاتها، كما كان يحدث في السابق. حملت عقلنة عدد الأحزاب المشكلة للأغلبية، وتقاربها المذهبي، واتفاقها على "العدالة الاجتماعية" كأفق، وتوفقها في إيجاد التوليفة التوافقية بين التزاماتها الانتخابية، تباشير نجاحها. شكلت الأغلبية السند الشرعي الانتخابي للحكومة، وساهمت في تجويد عملها في القوانين والسياسات العمومية، ومنحت بحوارها، ونقدها البناء، ومقترحات العملية المدروسة، فرصة لصوت المعارضة الهادف ليصدح في تكامل رفيع للأدوار البرلمانية. الأغلبية لم تكن "صامتة"، ولا "طيعة"، إنها تناقش وزراءها، في مواعيد منتظمة، وتبدي رأيها قبلا، وتنصت إلى نبض الشارع، وتنبه في معرض التنبيه، وتثمن كل الخطوات المنسجمة مع المغرب الجديد الذي يقوده جلالة الملك بكل عزم وإصرار. في هذا الجو، لم تكن الأغلبية كما يشاع عنها أداة "تصويت"، أو احتياطا "رقميا" للحكومة تمرر به ما شاءت. أبدا، تشهد على ذلك حدة النقاش داخل البرلمان، من داخل الأغلبية نفسها. تباين في المقاربات والاجتهادات مع اتفاق على الغاية والهدف تقدير مختلف للزمن السياسي ولإكراهاته. وهذا ما جعل الأغلبية تنبض بالحياة، وتتحول إلى شريك للحكومة عوض واجهتها البرلمانية. لم تكن الأغلبية أيضا، جُزرا موزعة همها الدفاع عن "طائفة" من القطاعات أومن الوزراء دون غيرها. تخلت الأغلبية عن الألوان السياسية لمكوناتها، وارتدت لباس "الأغلبية" المتضامنة، الموقعة على "تعاقد" البرنامج الحكومي، فعكست الإرادة الشعبية التي بوأتها الرتب الثلاث الأولى في انتخابات مفصلية. كانت الأغلبية، كما امتدادها الحكومي، واعية بدقة المرحلة وبثقل الإرث وبقوة الانتظارات، وتصاعد التحديات، وتنوعها مع ضرورة رد الاعتبار للعمل السياسي النبيل، وتحصين الاقتصاد الوطني من الهزات المنتظمة، وتنويع مصادر التمويل والشراكات، وسياسات عمومية منصفة للإنسان وللمجال تقطع، مع الوصف البديع البليغ لجلالة الملك "مغرب السرعتين". قوة هذه الأغلبية تكمن في ما تقدم، ودليل انسجامها بقاء مكوناتها نفسها بعد التعديل الذي عرفته الحكومة، وتعزيز الفريق الحكومي بمنصب "كتاب الدولة". وحصيلتها معروفة موثقة، تستطيع أن تدافع عنها وأن تتقدم بها غدا إلى الناخبين، الذين لهم، ولوحدهم حق محاسبتها، ولاشك تجديد الثقة فيها. في كل هذا، كان فريق الأصالة والمعاصرة بالمجلسين، حريصا على تمثل قيم الالتزام والوفاء، مواكبا للمبادرات النوعية التي يقدمها وزراء الحزب، في تكامل مع باقي القطاعات الحكومية الأخرى، وكان عبر حضوره، وأسئلته ومداخلاته ومشاركاته في أجهزة المجلسين، يعكس "نضجا" فريدا في التأقلم، بالانتقال من "المعارضة" إلى دور "الأغلبية. لم يتطلب منه ذلك وقتا كبيرا، إذ أن نخبته البرلمانية، بتجانسها، وتنوع مشاربها، وغنى أجيالها منح زخما كبيرا لعملها، مما أهله ليكون رقما في معادلة التمثيل وفي هندسة الأغلبية وفي دعم الحكومة واختياراتها. درس هذه الولاية التشريعية، يمكن أن يكون وسمه العريض هو "التزام الأغلبية"، التي ربحت تحدي "الوحدة" والانسجام، الذي يُغنيه الاختلاف في التقدير والتصور والتقييم، فعززت بالتالي، ثقافة كانت مفقودة في الماضي، وهو ما سيخدم، دون شك، تطور حياتنا السياسية والنيابية. (*) نائب برلماني