بلعربي قال إن الفن بحث دائم عن المفاجآت ولم يتاجر به أبدا دشن الفنان مالك بلعربي عودته الفنية بعد غياب عن الخشبة منذ حوالي عشر سنوات. في هذا الحوار يتحدث الفنان المغربي/ الفرنسي عن أسباب الغياب، وعن النشأة بين فرنسا والمغرب من أبوين مغربي وفرنسية، والمناخ الثقافي لمغرب الستينات والسبعينات والحركات الفنية التي تخللته، وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي: أجرى الحوار: عزيز المجدوب/ تصوير (فدوى الناصر) دشنت عودتك الفنية بعرضك الموسيقي "وحيد على الخشبة" بعد غياب عن الخشبة لعشر سنوات، هل تعتبر أنه شيء عاد أن يغيب فنان عن الخشبة طيلة هاته المدة؟ نعم ممكن، ومسألة طبيعية، لأنه قبل أن أكون فنانا فأنا إنسان كغيري من البشر، أعيش حياتي، وهناك عشر سنوات من هذه الحياة انسحبت فيها من خشبة الغناء، لكن في المقابل واصلت الكتابة والتأليف، خاصة أنني عشت تجارب، وتحديدا بلبنان وباريس، وعشت أشياء أخرى على المستوى الشخصي، لهذا وضعت حياتي بين قوسين خلال هذه المدة، لكن إذا اقتطعت عشر سنوات، من مسار فني امتد لحوالي 45 سنة قد لا تبدو شيئا يذكر. هل كان هذا الغياب اختيارا أم اضطرارا؟ بطبيعة الحال هو اختيار مفكر فيه، مثلا أن تختار العيش في لبنان لبضع سنوات، من أجل مشروع تم اقتراحه علي وأثار اهتمامي، ففضلت الذهاب وخوض التجربة. على امتداد مسارك الفني ظللت حريصا على المزاوجة بين مبدأ "الفن في ذاته" و"الفن لذاته"، بالتعبير الفلسفي للكلمة، أين تجد نفسك وسط هذين الحدين؟ بين الاثنين، لأن الفن بالنسبة إلي بحث دائم لكي يفاجئ المرء نفسه، حتى لا يسقط في الرتابة والروتين والتكرار، أنا فنان بالنسبة إلي في المنطلق، وفنان بالنسبة إليه وللآخرين. ألم تفكر بالمنطق السائد ومسايرة البعد التجاري في الفن؟ لا أبدا.. نعود إلى سنوات البدايات وفيها نلمس حضور تعدد الفضاءات في حياتك من فرنسا إلى المغرب مرورا بوجدة والرباط والمحمدية والبيضاء، إلى أي حد خدمك هذا التعدد والارتحال الدائم؟ فعلا، أنا من أصل مختلط فالأب مغربي والأم فرنسية، لذلك فقد نشأت وسط نوع من الاختلاط الثقافي، وكان هو الوضع الطبيعي بالنسبة إلي، ولهذا ظللت متشبعا بفكرة المزج والخلط بين الثقافات، كنت أستلهم هذا من حالتي الوالد والوالدة، فأرى فيهما تجسيدا للتمازج والتقارب، وهذا ما جعلني دائم السعي إلى التقريب بين الأفكار والأشياء والثقافات، حتى تلك التي تبدو ظاهريا بعيدة عن بعضها البعض، وهذه هي وظيفة الفن، حسب ما أراه، وهي أن يجعل من المستحيل ممكنا، بشكل أو بآخر. بدايتك كانت شاعرية مرتبطة بالنصوص التي كنت تكتبها.. من الذي وجّهك إلى هاته الطريق ومن هم الذين تأثرت بهم وساهموا في تكوينك؟ أنا مثل الكثير من مغني تلك المرحلة، ذهبت إلى فرنسا، وتحديدا في باريس، وخضت تجارب عديدة ضمن ما كان يسمى "الكافي تياتر" حيث كان يتم تقديم نوع من الفن والأغاني تسمى "الأغاني/ النصوص"، أي قليل من الموسيقى مسنودة على نص أدبي صلب، على هذا المنوال سرت في بداياتي الفنية إلى حدود سن العشرين، بعدها بسنوات قليلة عدت إلى أرض الوطن، أي إلى الواقع المحلي، وعدت إلى الشق الآخر من ثقافتي، التي كدت أنساها في تلك الفترة، لذلك شرعت في مزج الأشياء ومن هنا انبثقت أفكار ومشاريع ستتبلور مع الإخوان بوشناق وسعيدة فكري ثم سعيد موسكير وآخرين. هل تعتبر نفسك فنانا "نصيا"؟ النص مهم في العمل الغنائي، لكن الموسيقى لها مكانتها.. من هم الشعراء الذين تأثرت بهم؟ هناك كلاسيكيو الأدب الفرنسي مثل بودلير ولامارتين ولافونتين، وأيضا أعشق الشعر العربي، وبحكم أنني عشت فترة في لبنان، فقد اكتشفت هناك أشعار الراحل محمود درويش، الذي أعتبره عملاقا وحالة خاصة في الشعر، إذ كان يصدح بقصائده في مدرجات الملاعب والمسارح الكبرى أمام حشود غفيرة تضيق بها تلك الفضاءات، وكأن الأمر يتعلق بنجم "روك"، وسط صمت رهيب وإنصات مرهف من قبل الجماهير التي كانت تحج إلى أمسياته الشعرية، وهذا أمر مذهل فعلا وغير مسبوق. لكن مع ذلك فالشعر ليس هو كل الغناء بالنسبة إلي، يمكن أن تكون أغنية شعرية لكن الموسيقى شيء آخر ومستقل، والأغنية هي زواج بين النغم والكلام ولا أحد في هذين العنصرين يقل أهمية عن الآخر بل بالتوازن بينهما. خلال مرحلة الستينات التي تفتح فيها وعيك المبكر كانت هناك تجارب موسيقية مغربية تأثرت بالموسيقى الغربية (الأيادي الذهبية أو الإخوة ميكري...) هل تعتبر نفسك امتدادا لها؟ أعتقد أنني أتحدر من هذا الجيل، لأنني كما قلت لك نتاج مزج وخليط ثقافي، فمثلا الروك الذي كانت تقدمه فرقة "غولدن هاندز" (الأيادي الذهبية) رغم ملامحه الأنكلوساكسونية لكنه في النهاية يظل تجربة مغربية خالصة، وقد فتحوا هذا الباب قبلنا من الذين تشبعوا ببقايا تقاليد الثقافة الغربية التي كانت حاضرة في المغرب. كانت ماري لويز بلعربي وجها ثقافيا معروفا في المغرب باعتبارها ناشرة وكاتبة وصاحبة صالون ثقافي.. ماذا يعني لك أن تكون ابنا لهذه المرأة؟ يعني لي أشياء كثيرة، والدتي هي من علمتني وصقلت ذوقي في الأدب والكتابة والانفتاح على جميع الثقافات والآخرين، عندما أرى فرنسا اليوم وفرنسا التي كانت تمثلها والدتي، أجد ألا علاقة بينهما، ففرنسا حاليا صارت منغلقة على نفسها، ووالدتي مع جيلها كانوا منفتحين، وقد عاشت هنا في المغرب وقضت جل حياتها به. إلى أي حد استفدت من الجو الثقافي الذي كانت توفره في مكتبتها أو في البيت؟ عن طريق والدتي التقيت العديد من المثقفين والكتاب الكبار الذين كانوا يترددون على بيتنا مثل إدريس الشرايبي والطيب الصديقي وغيثة الخياط وغيرهم ممن كبرت وسطهم وكان الأمر مصدر اعتزاز وافتخار بالنسبة إلي أن تنشأ وسط هذا المناخ الثقافي، فالأمر أشبه بهدية لا تقدر بثمن. أصول والدك من وجدة، كما أن رموز الموسيقى المغربية المتأثرة بالغرب يتحدر معظمهم من هذه المدينة.. هل الأمر صدفة؟ وجدة كانت بمثابة مختبر لأنماط موسيقية مختلفة بحكم موقعها الحدودي، حيث التقت فيها ثقافات متعددة، كما العديد من العائلات بها نصفها جزائري، وسبق أن ناقشت هاته المسألة بشكل مستفيض مع الإخوان بوشناق في جلساتنا، إذ اكتشفت أيضا أن لديهم معرفة عميقة بالروك الأنكلوساكسوني لمرحلة الستينات. في بداياتك اخترت خطا كلاسيكيا فرنسيا؟ في ألبومي الأول وتحديدا في أغنية la mal vie يظهر أنها لم تكن أغنية فرنسية بالمعنى الدقيق للكلمة بل أغنية فرنكفونية، تحمل فكرا مغايرا ومعاني أخرى، كما هو الشأن بالنسبة إلى روايات الطاهر بن جلون أو إدريس الشرايبي أو أي كاتب كندي يكتب باللغة الفرنسية، هذا الفرق كان حاضرا لدي وفي أعماقي. استعملت الفرنسية فقط لأنها اللغة التي أسيطر عليها وأجيدها أكثر من غيرها لكن لم أفكر يوما أنني فرنسي. بعيدا عن الأسماء الغربية التي أثرت فيك .. مغربيا بمن تأثرت؟ قطعا وبدون تردد الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، وأيضا الراحل عبد الهادي بلخياط الذي كان صديقا لوالدي ويتردد عليه في البيت، لكن الدكالي ظل دائما بالنسبة إلي أيقونة فنية وكنت دائما أراه فنانا حرا ومتحررا، يفعل ما يريد وفي الوقت الذي يريد، وهذه كانت نصيحته الدائمة لي في كل اللقاءات التي جمعتني به، "افعل ما تريد وما أنت مقتنع به ولا تهتم لما يقوله الآخرون"، كما كانت لدي علاقة خاصة بأعضاء المجموعات الغنائية خاصة "ناس الغيوان" منهم الراحل العربي باطما والفنان عمر السيد أطال الله عمره، وأيضا لمشاهب وجيل جيلالة إذ كنا معجبين بتمردهم وثوريتهم على الخط السائد. الملاحظ أنك تميل إلى الثنائيات الغنائية.. ما سر ذلك؟ هناك سبب بسيط وهو أنني كملحن أحب أن أكتب لصوتين، لذلك أعتبر تلك الأعمال بمثابة مختبر فني مبني على التوقع والحدس، لأن الجمع بين صوتين يمثل لقاء بين أفقين خاصة إذا كانا ظاهريا متباعدين وليست لهما التركيبة نفسها، فتغدو العملية مغامرة فنية جميلة. في سطور < من مواليد 1959 بفرنسا. < نشأ بين وجدة والرباط والمحمدية والبيضاء. < برز نجمه في ثمانينات القرن الماضي مع ألبومه الأول "la mal vie"، الذي مزج فيه بين الأغنية الفرنسية والألحان المغربية. < تلقى بلعربي تدريبا جزئيا في فرنسا، واستلهم من أعمال جاك بريل وإديث بياف وجورج براسنس. < بعد عودته إلى المغرب في تسعينات القرن الماضي، ساهم في تطوير صناعة الموسيقى من خلال مشاركته في تأسيس شركة "مايا برودكشنز". وقدّم أغنية "دنيا"، التي سجلها مع الأخوين بوشناق، لتكون بذلك من أوائل أغاني "الفيزيون". < لم يقتصر مسار مالك على الغناء فقط، ففي عام 1996، ألّف أغنية "براء"، وهي عمل موسيقي يُعنى بحقوق الطفل، وحظيت بإشادة دولية واسعة. وفي العام التالي، فازت أغنيته "ما بقا لينا أمل" بجائزة من شبكة تلفزيون MCM. < في العقد الأول من الألفية الثانية، تولى مسؤوليات في شركة بلاتينيوم ميوزيك، حيث عمل مع شخصيات بارزة مثل ناس الغيوان ونجاة عتابو، إلى جانب دعمه للمواهب الصاعدة. كما ساهم في لجنة تحكيم ضمن برنامج "استوديو دوزيم".