أحكام قضائية بالملايير تفضح سوء تدبيرها للصفقات العمومية لم تعد الأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعات المحلية بسبب تأخرها في أداء مستحقات الصفقات العمومية مجرد قرارات لتسوية نزاعات إدارية، بل تحولت إلى مؤشرات مقلقة على حجم الهدر الذي يلحق المال العام، بفعل فوائد تأخير تتراكم عبر السنوات، وتستنزف ميزانيات عدد من الجماعات الترابية بشكل ملموس يؤثر على المشاريع التنموية الجديدة، وهو ما يطرح أسئلة حقيقية حول الحكامة والمسؤولية وربط المحاسبة بتدبير الصفقات العمومية. إعداد: المختارالرمشي (طنجة) كشفت أحكام قضائية أصدرتها، أخيرا، المحاكم الإدارية بالمملكة، عن الكلفة المالية الثقيلة التي تتحملها ميزانية الجماعات المحلية بسبب تأخرها في أداء مستحقات الصفقات العمومية، إذ مع كل سنة تأخير إضافية ترتفع الفوائد والغرامات إلى مبالغ ضخمة تصرف من المال العام. وتبرز هذه الأحكام، التي تتكرر بصيغ متقاربة في أكثر من جماعة، أن اختلالات التدبير وتأخير تصفية الحسابات لا تبقى حبيسة النزاعات الإدارية، بل تتحول مع مرور الزمن إلى نزيف مالي صامت يرهق كاهل الجماعات الترابية، سواء الحضرية أو القروية. وفي هذا السياق، تبرز قضيتان حديثتان كحالتين نموذجيتين تعكسان هذا الواقع، الأولى تتعلق بحكم قضائي ألزم مجلسا إقليميا بأداء ملايين الدراهم كفوائد عن تأخر مستحقات صفقة عمومية، والثانية مرتبطة بنزاعات قضائية رفعتها شركات ومواطنون ودائنون ضد مجلس جماعي، على خلفية اعتداءاته على ممتلكات خاصة أو تخلفه عن أداء ديون داخل الآجال القانونية، وهي ملفات أثارت نقاشات حول الحكامة، وحدود المسؤولية، وكلفة اللجوء المتأخر إلى القضاء. حكم بالملايير يكشف كلفة التأخير يعتبر الحكم الذي أصدرته، المحكمة الإدارية بطنجة، أخيرا، المتعلق بملف تهيئة منطقة صناعية ضواحي المدينة، نموذجا دالا على الكلفة التي يخلفها تأخر الجماعات في تصفية مستحقات الصفقات العمومية، حيث ألزمت هيأة الحكم مجلس عمالة طنجة–أصيلة بأداء مبلغ إجمالي فاق 6,9 ملايين درهم لفائدة مقاولة أنجزت الأشغال، ويتوزع بين ما يفوق 4 ملايين و777 ألف درهم قيمة للأشغال المنجزة، وأزيد من مليونين و167 ألف درهم فوائد عن التأخير، أي ما يقارب نصف قيمة الأشغال الأصلية، وهو ما يعكس حجم الأثر المالي الذي يمكن أن يترتب عن التأخر في تصفية المستحقات. وتعود معطيات الملف إلى 2009، حين أُبرم مجلس عمالة طنجة أصيلة صفقة لتهيئة المنطقة الصناعية "مغوغة"، حيث قامت المقاولة التي رست عليها الصفقة بالأشغال الموكولة إليها وفق ما هو منصوص عليه في دفتر التحملات، وسلمت المشروع دون تسجيل أي تحفظات تقنية أو ملاحظات من شأنها تعطيل مسطرة تصفية الحسابات، إلا أنه رغم ذلك، ظلت مستحقات المقاولة عالقة لسنوات طويلة، ما دفعها إلى سلوك مساطر التسوية الودية وتوجيه مراسلات وإنذارات رسمية إلى الجهة المفوضة بالأداء، قبل أن تلجأ في نهاية المطاف إلى القضاء الإداري، بعد استنفاد جميع السبل الإدارية دون جدوى. وفي تعليلها اعتبرت هيأة الحكم أن تجاوز الآجال القانونية لأداء مستحقات الصفقة يعد إخلالا بالتزامات الجهة صاحبة المشروع، نظرا لأن التأخر راجع للإدارة وليس للمقاولة. وأكدت المحكمة أن النصوص المنظمة للصفقات العمومية تحدد أجلا أقصاه 60 يوما لتصفية الحسابات، وأن أي تجاوز لهذا الأجل يرتب بقوة القانون استحقاق فوائد عن التأخير، تحتسب وفق السعر المرجعي المعتمد، دون حاجة إلى إثبات ضرر إضافي، مشددة على أن فوائد التأخير لا تندرج في إطار التعويض الاستثنائي، بل تشكل آلية قانونية لضمان التوازن التعاقدي وحماية المتعاملين مع الإدارة من تبعات البطء الإداري. واعتبرت المحكمة أن تحميل المال العام كلفة هذه الفوائد يظل نتيجة مباشرة لاختلال في تدبير مسطرة الأداء، وليس عبئا قضائيا طارئا. أحكام متراكمة تعمق النزيف لم يكن الحكم الصادر في حق مجلس عمالة طنجة أصيلة حالة معزولة في مسار التقاضي الذي تواجهه الجماعات المحلية بالجهة الشمالية، إذ كشفت معطيات قضائية حديثة عن سلسلة من الأحكام الثقيلة التي أصدرتها المحكمة الإدارية بالرباط ضد جماعة طنجة، وتتضمن غرامات وتعويضات مالية تجاوزت قيمتها 5 ملايير سنتيم، في 339 قضية رفعها دائنون للمطالبة بمستحقاتهم القانونية. وتشير الوثائق والمستندات إلى أن كلفة المنازعات القضائية لجماعة طنجة عرفت تصاعدا مقلقا خلال فترة زمنية وجيزة، بعدما انتقلت من حوالي 50 مليون درهم إلى ما يقارب 80 مليون درهم في ظرف سنة واحدة فقط، ما دفع المجلس الجماعي إلى تخصيص جزء مهم من ميزانيته المقبلة لتسديد هذه التعويضات المستحقة، وهو إجراء يرفع الكلفة إلى حدود 10 ملايير سنتيم في أفق 2027، في ظل استمرار نزاعات إدارية مع مواطنين وشركات خاصة، ما خلف ارتباكا بالجماعة وطرح تساؤلات جدية بخصوص الآثار المترتبة عن هذه الأحكام المتراكمة على التوازنات المالية للجماعة، وحول مسؤولية التدبير التي حولت المال العام إلى أداة لتصحيح أخطاء كان بالإمكان تفاديها بحكامة قانونية وإدارية أكثر صرامة. متضررون: تصفية انتقائية لم تقتصر تداعيات تأخر الجماعات المحلية في أداء مستحقات الصفقات العمومية على أرقام وأحكام قضائية مجردة، بل انعكست بشكل مباشر على عشرات المقاولات والمتعاملين، الذين وجدوا أنفسهم في وضعية مالية صعبة بسبب تجميد مستحقاتهم لسنوات طويلة. وتحدث عدد من المتضررين، في لقاء مع "الصباح"، عن وجود ما وصفوه بـ"تمييز غير مفهوم" في تصفية المستحقات، مؤكدين أن بعض المقاولات تتوصل بمستحقاتها داخل الآجال القانونية، في حين يظل ملف مقاولات أخرى معلقا لمدد طويلة دون مبررات واضحة. وربط هؤلاء هذا التعطيل، حسب تصريحاتهم، برفضهم الانخراط في ممارسات غير قانونية، من قبيل تقديم "رشاو" أو "هدايا" لمسؤولين معنيين بملفات الأداء، وهو ما يجعلهم، بعد استنفاد جميع محاولات التسوية الودية، يلجؤون إلى القضاء باعتباره السبيل الوحيد لاسترجاع حقوقهم. وقال أحدهم، وهو مسير مقاولة أنجزت عدة صفقات عمومية لفائدة جماعات محلية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إن "الإشكال لا يكمن فقط في التأخر في الأداء، بل في غياب معايير واضحة وموحدة في تصفية المستحقات، حيث تسوى ملفات بعض المقاولات بسرعة لافتة، بينما تجمد ملفات أخرى لأشهر أو لسنوات، دون تعليل إداري مكتوب أو إشعار رسمي يوضح أسباب هذا التعطيل"، وهذا، يضيف المصدر، "يحدث شعورا بعدم الإنصاف بين المقاولات المتعاملة مع الإدارة نفسها، ويفقد الثقة في مساطر يفترض أن تقوم على المساواة والشفافية". واختتم المسير حديثه بالقول إن "تأخر الأداء لم يعد مجرد إشكال إداري عابر، بل أصبح مصدر تهديد حقيقي لاستمرارية عدد من المقاولات، رغم أنها تلتزم بإنجاز الأشغال داخل الآجال المحددة وتؤدي ما عليها من ضرائب وواجبات اجتماعية، لكنها في المقابل تترك لسنوات تنتظر تسوية مستحقاتها، ما يسبب اختلالا ماليا يصعب تدبيره". مستشار: خلل في التتبع والبرمجة أقر مستشار في المعارضة بجماعة طنجة بأن الأحكام القضائية المرتبطة بتأخر الأداء كشفت اختلالات حقيقية في تدبير عدد من الملفات، موضحا أن "المشكل لا يرتبط بحكم واحد أو ولاية بعينها، بل بتراكم ممارسات إدارية ضعيفة في التتبع والبرمجة"، مؤكدا بقوله إن بعض الملفات "ظلت تنتقل بين المصالح دون حسم، في غياب آجال مضبوطة للمساءلة الداخلية، ما جعل التأخير يتحول إلى كلفة مالية تؤدى لاحقا من المال العام". وأوضح المستشار ذاته، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن المجالس الجماعية بصفة عامة مطالبة اليوم بإعادة ترتيب الأولويات، وتفعيل آليات المراقبة والتتبع، حتى لا تتحول الصفقات العمومية إلى مصدر نزيف دائم للميزانية، مشددا على أن معالجة هذه الاختلالات تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديد المسؤوليات الإدارية بشكل واضح، بدل الاكتفاء بتدبير آثار الأحكام القضائية بعد صدورها. ودعا المتحدث إلى اعتماد مقاربة وقائية تقوم على احترام آجال الأداء، وتفادي تراكم النزاعات، حفاظا على التوازنات المالية وثقة المتعاملين مع الإدارة. قاض متقاعد: الأحكام آلية لضمان الحقوق يوضح قاضٍ متقاعد اشتغل بالقضاء الإداري بطنجة، أن الأحكام الصادرة ضد الجماعات المحلية بسبب تأخر أداء مستحقات الصفقات العمومية تندرج في إطار تطبيق سليم للنصوص القانونية المنظمة للعلاقة التعاقدية بين الإدارة والمتعاملين معها. وقال القاضي السابق، إن "القضاء الإداري لا يبتدع عقوبات جديدة، بل يطبق مقتضيات واضحة تفرض على الإدارة احترام آجال الأداء، وترتب فوائد عن التأخير متى ثبت أن هذا الأخير راجع لها"، موضحا أن هذه الأحكام "لا ينبغي النظر إليها باعتبارها استهدافا للجماعات أو إثقالا متعمدا لميزانياتها، بل آلية قانونية لحماية التوازن التعاقدي وضمان حقوق المتعاملين مع الإدارة". وخلص المتحدث إلى أن هذه الأحكام تهدف أساسا إلى الوقاية والحث على احترام المساطر والآجال القانونية، ومن أجل تفعيل المسؤولية الإدارية قبل الوصول إلى مرحلة التقاضي. عبء مالي سامي بوريس* كيف تفسر تضخم فوائد التأخير التي تحكم بها المحاكم ضد الجماعات؟ هل نحن أمام حالات معزولة أم خلل بنيوي في تدبير الميزانيات؟ > من الناحية المحاسباتية، لا يمكن التعامل مع تضخم فوائد التأخير التي تحكم بها المحاكم ضد الجماعات على أنها حالات استثنائية أو أخطاء ظرفية، بل نتيجة خلل بنيوي في تدبير الميزانيات وتتبع الالتزامات المالية. في الغالب، تكون الجماعة على علم مسبق بالصفقات المبرمة وبالكلفة الإجمالية للأشغال وبالآجال القانونية للأداء، غير أن الإشكال يظهر عند ضعف التنسيق بين المصالح المعنية، وتأخر مساطر التصفية، وتراكم الملفات دون حسم واضح. هذا التأخير الإداري، الذي قد ينظر إليه في البداية إجراء عاديا، يتحول مع مرور الوقت إلى عبء مالي ثقيل بفعل فوائد التأخير. لذلك، فالمشكل لا يرتبط أساسا بندرة الموارد المالية، بل بسوء البرمجة وغياب آليات فعالة لضبط آجال الأداء، ما يجعل القضاء يتدخل لاحقا لتصحيح وضع كان بالإمكان تفاديه في مراحله الأولى. حين تؤدى هذه الغرامات من المال العام دون أن تقابلها مشاريع جديدة، كيف ينعكس ذلك على التوازنات المالية وبرامج التنمية داخل الجماعات؟ > أداء الغرامات وفوائد التأخير من المال العام دون أن تقابلها مشاريع أو خدمات جديدة، ينعكس بشكل مباشر على التوازنات المالية للجماعات وعلى قدرتها على تنفيذ برامجها التنموية. فعندما تخصص اعتمادات مهمة لتسديد أحكام قضائية، يتم ذلك غالبا على حساب نفقات الاستثمار أو مشاريع اجتماعية كانت مبرمجة لفائدة السكان. هذا الوضع يقلص هامش التحرك المالي للجماعة، ويجعلها منشغلة بتدبير التزامات موروثة، بدل التخطيط لمبادرات جديدة تستجيب لحاجيات المدينة. والأخطر أن هذه الغرامات تصرف لتصحيح أخطاء تدبيرية سابقة. ومع تكرار هذه الأحكام، تتراكم الضغوط على الميزانيات الجماعية، ما يحد من إمكانيات التنمية ويؤثر على ثقة المتعاملين مع الإدارة. برأيك، هل عدم التزام الجماعات بأداء مستحقات الصفقات العمومية يتعلق بضعف التتبع والمراقبة أكثر من نقص الموارد؟ > استمرار الجماعات في دفع كلفة التأخير بدل تفاديها يعود في المقام الأول إلى ضعف آليات التتبع والمراقبة الداخلية، أكثر مما يعود إلى نقص الموارد المالية. ففي كثير من الحالات، لا توجد منظومة واضحة تنبه إلى اقتراب آجال الأداء أو تحدد المسؤوليات عند وقوع التأخير، ما يجعل الخطأ يمر دون مساءلة فورية. كما أن غياب المحاسبة الإدارية الداخلية يحدث نوعا من التطبيع مع التأخير، فيتحول إلى ممارسة مألوفة داخل بعض المصالح. وعندما يصل الملف إلى القضاء، تكون الكلفة قد تضاعفت، وتؤدى من الميزانية الجماعية دون أن يتحمل المسؤول المباشر تبعات قراره أو إهماله. لذلك، فالإشكال لا يقتصر على الجانب التقني، بل يرتبط بثقافة التدبير نفسها، حيث يتم علاج النتائج بدل معالجة الأسباب، عبر الوقاية واحترام المساطر قبل أن يتحول الزمن إلى عبء مالي إضافي. * خبير محاسباتي بطنجة سخرية رقمية وغضب عارم أشعلت الأحكام القضائية التي ألزمت جماعات محلية بأداء ملايين الدراهم كفوائد عن تأخر مستحقات الصفقات العمومية موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت أرقام الغرامات الثقيلة إلى مادة يومية للنقاش والسخرية في آن واحد. واعتبر نشطاء "فيسبوك" أن هذه الأحكام تكشف حجم العبث في تدبير المال العام، وقال أحدهم إن "الملايين التي تصرف كفوائد تأخير كان يمكن أن تصرف في بناء طرق ومدارس ومستشفيات..."مبرزا بنبرة ساخرة" أن "المدينة تؤدي ثمن سوء التدبير، بينما المسؤول الحقيقي يختفي دون محاسبة". وتوسعت نقاشات رواد المنصات الرقمية لتشمل تحميل المسؤولية لما وصفوه بـ"ثقافة الإفلات من المحاسبة"، وعبر أحدهم عن استغرابه من أداء الجماعات لغرامات ضخمة دون الكشف عن المتسبب المباشر في التأخير، وكتب "منطق غريب.. الإدارة تخطئ، والقضاء يحكم، والمال العام يهدر، والمسؤول لا يحاسبه أحد". فيما تساءلت ناشطة جمعوية على صفحتها الخاصة "هل فوائد التأخير أصبحت بندا عاديا في الميزانية، مثل الإنارة والماء". وكتبت إن "الأحكام القضائية لم تعد تخيف الجماعات، لأنها لا تمس الأشخاص بل تمس جيوب المواطنين". مقابل نبرة الغضب، حضرت السخرية بقوة في عدد من التدوينات، ووصف أحد الرواد هذه الغرامات بأنها "مشاريع غير مرئية" لا يلمس المواطن أثرها إلا في تقليص الاعتمادات الموجهة للتنمية. كما علق آخر قائلا: "نربح في الأوراق ونخسر في الواقع.. الملايين تؤدى ولا شيء يتغير في الأحياء". بينما حذر آخرون من أن استمرار هذا الوضع سيحول ميزانيات الجماعات إلى مجرد أدوات لتسديد أحكام قضائية متراكمة، بدل الاستثمار في البنيات الأساسية، معتبرين أن "وقف هذا النزيف يبدأ بمحاسبة المتسببين لا الاكتفاء بتأدية الفاتورة بعد فوات الأوان".