حين يصبح الطفل فكرة والشاب مشروعا بدار السلام في طانطان، حيث يواجه الشباب يوميا أسئلة المستقبل، ويبحث الأطفال عن فضاءات تحتضن أحلامهم الصغيرة، تبرز جمعية دار السلام بقيادة إبراهيم الشاوي كإحدى التجارب الجمعوية التي اختارت أن تراهن على الإنسان، لا باعتباره رقما في الإحصائيات، بل مشروعا قابلا للنمو، والتحول، وصناعة الأثر. منذ تأسيسها سنة 2020، لم تكتف الجمعية بتنظيم أنشطة عابرة، بل نسجت رؤية متكاملة جعلت منها فضاء تربويا حيا، وبيتا مفتوحا للإبداع، والتعلم، وبناء الشخصية. دار السلام ليست مجرد مقر يحتضن الأطفال والشباب، بل فلسفة عمل تنطلق من قناعة بسيطة وعميقة في آن واحد. تغيير حياة الفرد إلى الأفضل سلوكيا ومعرفيا ومهاريا ووجدانيا، من هذه القناعة، تشكل المشروع الجمعوي، واتسعت دائرته، ليصير مكانا ينمو فيه الجميع معا، ويتعلمون بلا خوف، ويبدعون دون قيود، ويتطورون في انسجام مع ذواتهم ومحيطهم. مدرسة للحلم وسيرة للأمل داخل جدران دار السلام، تصنع مساحات مختلفة عن المألوف، هنا، لا يختزل الطفل في مقعد دراسي، ولا يحاصر الشاب في صورة نمطية، بل يمنحان فرصة الاكتشاف والتجربة، أنشطة تزاوج بين اللعب والمعرفة. بين الفنون والتعلم، وبين المتعة والمسؤولية، في بيئة آمنة وداعمة، تؤمن بأن الخطأ جزء من التعلم، وبأن الشغف هو الوقود الحقيقي للنجاح. وتقوم رؤية الجمعية على ركائز واضحة، في مقدمتها الإبداع كمدخل أساس لتحرير الخيال وتنمية الحس الجمالي، من خلال المسرح، والفنون، والمشاريع الإبداعية التي تشجع الشباب على التفكير الخلاق، إلى جانب ذلك، تعتمد دار السلام مفهوم التعلم الممتع، حيث تتحول المعرفة إلى تجربة حية، تكتسب بالممارسة والتفاعل، لا بالحفظ والتلقين، أما روح الفريق، فتغرس عبر الأنشطة الكشفية والتطوعية، التي تعزز قيم القيادة، والمسؤولية، والعمل الجماعي، في حين تحظى الثقة بالنفس بمكانة مركزية، من خلال تشجيع اتخاذ القرار، وبناء الشخصية المستقلة. صناعة القادة والمبدعين هذه الفلسفة تجد ترجمتها العملية في برامج متكاملة، صممت بعناية لتستجيب لحاجيات الفئات العمرية المختلفة. المدرسة القيادية، مثلا، ترافق الأطفال في رحلة اكتشاف ذواتهم، وتعمل على بناء الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، والتغلب على الخجل في المواقف العامة. أنشطة تفاعلية وتجارب عملية تساعد المشاركين على تحديد أهدافهم، وتنظيم وقتهم، والتعاون مع الآخرين، في إطار تربوي يجمع بين الجدية والمرح. أما برنامج قادة المستقبل، فيتوجه إلى فئة الشباب، واضعا نصب عينيه إعداد جيل قادر على الاندماج والمساهمة الفاعلة في المجتمع، بالتدريب على التفكير الإستراتيجي، وتطوير مهارات الخطابة والتواصل المؤثر، وبناء قدرات التنشيط والقيادة الجماعية، ويمنح أدوات عملية تؤهلهم لتحمل المسؤولية وصناعة المبادرة. مبادرات تصنع الأثر وفي البعد الثقافي، أطلقت الجمعية مبادرة طانطان تقرأ، إيمانا بأن القراءة ليست ترفا، بل مدخلا أساسيا لبناء الوعي. مبادرة تسعى إلى نشر ثقافة المطالعة بين الأطفال والشباب، عبر حصص قراءة جماعية، ومناقشة الكتب، وتنظيم لقاءات مع كتاب ومبدعين محليين، في محاولة لخلق علاقة حميمية بين الجيل الصاعد والكتاب، وتعزيز حب المعرفة والانفتاح الثقافي. كما تحتل القيم الكشفية مكانة خاصة في مشروع دار السلام، من خلال برنامج كشافة سفراء السلام، الذي يعتمد نهجا كشفيا معاصرا، يستند إلى قيم السلام، والتطوع، والعمل المجتمعي. برنامج يمنح الشباب تجارب ميدانية حقيقية، تنمي روح المبادرة، والقيادة، وخدمة المجتمع، وتحول التعلم إلى ممارسة يومية داخل الفضاء العام. أفكار إبداعية ولا تكتمل الصورة دون التوقف عند لقاء "كافي فطاس والفكرة فراس"، الذي تحول إلى موعد شهري ينتظره شباب المدينة. لقاءات تنظم في مقاهي طانطان، تستضيف شخصيات محلية لتقاسم تجاربها ومساراتها الحياتية، في فضاء مفتوح للنقاش، وتبادل الأفكار، وبناء جسور التواصل بين الأجيال. وفي إطار تنمية المهارات الفنية والعملية، تبرز مساءات الشباب كبرنامج متنوع يشمل المسرح، والأنشودة، والسمعي البصري، والذكاء المالي، والتسويق الجمعوي، إلى جانب الألعاب والأنشطة التفاعلية. ورشات تصقل المواهب، وتمنح الشباب أدوات للتعبير، والإنتاج، والانخراط الفاعل في محيطهم. عبد الجليل شاهي (أكادير)