جيل من المغاربة يتشكل في حضن هويته ولغته بعد عقود من الحرمان شهدت جل مدارس وحضانات المملكة العمومية والخاصة، في الفترة الأخيرة، أياما من الاحتفالات الكبرى برأس السنة الأمازيغية، احتفى فيها الأطفال والتلاميذ بثقافتهم ولغتهم وممتلكاتهم الرمزية، في أجواء تشعر الأجيال السابقة بالغبطة والحسرة في الآن نفسه. وأصبح رأس السنة الأمازيغية أكثر مناسبة وطنية، تشهد زخما احتفاليا غير مسبوق، خاصة أن الأطفال يسعدون بارتداء الأزياء التقليدية وتناول الوجبات اللذيذة والرقص على أنغام الموسيقى، وإحياء احتفالات تحمل الكثير من المعاني. ويتنافس الأطفال في هذه الاحتفالات التي عمت المدارس والساحات العامة وروض الأطفال والمقاهي والمطاعم ودور الشباب والثقافة، في الأناقة والإبداع، من خلال ارتداء ملابس محلية أصيلة، ووضع مساحيق طبيعية، ومجوهرات وحلي أصيلة، وتوثيق هذه اللحظات الفارقة بالتقاط الصور، التي ستعيش مع هذه الأجيال طيلة حياتهم. وتحرك هذه المشاهد التي ملأت في الأيام الأخيرة صفحات ومواقع المؤسسات الرسمية والفضاءات التربوية والثقافية، مشاعر الغبطة لدى الأجيال السابقة، التي حرمت من ممتلكاتها الرمزية، التي لم تكن تحظى باعتراف رسمي من الدولة، جعلها غير حاضرة بقوة في المؤسسات والمجتمع، باستثناء الأسر التي ظلت محافظة على أصالتها وعاداتها، رغم عدم السماح بها في الفضاء العام. ويعول على هذه الأجيال الصاعدة، التي ولدت في زمن أعلت فيه الدولة من قدر الهوية الأمازيغية، وتدرس اللغة الأمازيغية في المدارس، أن تعيد إلى الشخصية المغربية توازنها، وتنتشل المجتمع من الاستلاب الهوياتي والثقافي، والتخلص من عباءة الهيمنة اللغوية والرمزية لشعوب الشرق والغرب. وتقود المؤسسات الرسمية تغييرا ناعما في ذهنية المجتمع، متفادية التصادم مع الأجيال السابقة، التي تشبعت بهوية فوق وطنية، سواء كانت بصبغة شرقية عربية وإسلامية سياسية، أو فرنكوفونية معزولة عن المجتمع، مستهدفة الأجيال الصاعدة التي لن تضطر للقيام بمراجعات فكرية جذرية، يمكن أن تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار. وفي الوقت الذي يقوم فيه بعض الأكاديميين والمثقفين المتأثرين بالثقافات الأجنبية بالهجوم على الأمازيغية وهوية الأرض، تقوم مؤسسات التنشئة بمجهود تدريجي وناعم، يتطلب وقتا طويلا، لكنه هادئ وغير صدامي. وستصبح الأمازيغية التي تسير في طريق التعميم الأفقي والعمودي في التعليم، وتتوسع الاحتفالات بها في كل رأس سنة جديد، جزءا من نشأة وطفولة جيل بأكمله، ولن نكون بحاجة إلى إقناع البعض بهويتهم وثقافتهم، بل سيدافعون عنها لأنها تمثل ذكرياتهم ولحظات جميلة عاشوها ونشؤوا عليها. عصام الناصيري