من درب السلطان بالبيضاء إلى الخلود الفني رحلت ثريا جبران في صمت، لكنها خلفت ضجيجا من الأسئلة والحنين، لأن حضورها كان أكبر من الأدوار، وأعمق من الخشبة، وأبقى من الصورة العابرة على الشاشة. يشهد من عاشر جبران بطاقتها الإنسانية النادرة، تستشعرها فور الاقتراب منها، أو عند متابعتها وهي تتقمص شخصياتها بصدق، ومسارها الفني والسياسي كان يتلخص في الحب والإصغاء، والانحياز للإنسان، وقدرة عجيبة على احتضان الاختلاف، لتغدو فنانة للجميع، ومحبوبة من الجميع. وخلف الصوت الجهوري والحضور الطاغي، كانت ملامح المرأة المغربية الأصيلة واضحة، امرأة تشبعت بقيم النخوة والكرامة والبذل، وهي قيم حملتها من درب السلطان، الحي الشعبي البيضاوي الذي صاغ شخصيتها ومنحها صلابة الداخل ودفء الروح، فظلت وفية لتلك الجذور، حتى وهي تعتلي علياء المسرح وتفرض اسمها في السينما والتلفزيون. بدت ثريا جبران في ذاكرة أجيال من المغاربة أكثر من ممثلة، إذ كانت أما حنونة، وجارة صلبة تدافع عن أبناء الحي بصوت عال أحيانا أخرى، وكانت قبل ذلك وبعده فنانة قادرة على قلب المألوف، إذ أعادت تعريف التمثيل حين كسرت قاعدة سائدة، وتقدمت لتتقمص أدوارا رجالية بجرأة غير مسبوقة، لتطل على الجمهور في جبة “بوغابة”، الشخصية التي خرجت من رحم بريخت، لكنها نطقت بلسان مغربي قح، واستقرت في الذاكرة أحد أقوى تجليات المسرح المغربي. من تكون هذه المرأة التي سكنت وجدان المسرح، وتربعت على شاشة السينما، وتسللت بهدوء إلى بيوت المغاربة، حتى صارت أيقونة من أيقونات الفن؟ بدأت الحكاية في درب السلطان، وبالضبط في درب “الصبليون”، فهناك ولدت في 1952 باسمها الحقيقي السعدية اقريطيف، في أسرة بسيطة فقدت الأب مبكرا، وكبرت يتيمة، لكن في حضن أم قوية اختارت أن تتحمل مسؤولية التربية والإنفاق، فغرست في ابنتها معنى الاعتماد على الذات والقدرة على الصمود. ولاحقا، ستنتقل الأسرة إلى درب بوشتنوف، حيث ستتعمق أكثر ملامح شخصيتها الفريدة. من لقب زوج أختها العامل بالميتم استعير اسم “جبران”، ثم جاء الفنان عبد العظيم الشناوي ليمنحها اسم "ثريا”، الاسم الذي كان شائعا آنذاك تيمنا برائدة الطيران ثريا الشاوي. تابعت دراستها بالبيضاء، قبل أن تلتحق أواخر الستينات بالمعهد الوطني بالرباط، قسم الفن المسرحي. ومنذ بداية السبعينات، التحقت بفرقة المعمورة ممثلة قارة، لتدخل سريعا عالم الاحتراف، وتشارك لاحقا في أحد أشهر الأعمال السينمائية العربية، فيلم “عمر المختار” لمصطفى العقاد. توالت بعدها مشاركاتها السينمائية، فتنقلت بين أعمال بارزة صنعت مرحلة كاملة، بالتوازي مع حضور مسرحي كثيف. رحلت ثريا جبران، وبقي أثرها، وصوتها، ونظرتها، وصدقها، وبقي ذلك الإحساس الثقيل الذي يرافق الغياب الكبير... توحشناك، لأن الفن بدونك أقل دفئا، ولأن الخشبة ما زالت تفتقد خطواتك. خالد العطاوي