السنة الأمازيغية بتزنيت فعل جماعي حي وروح جديدة لـ "تيفلوين" في تيزنيت، لا يحتفل بالسنة الأمازيغية كطقس عابر، ولا كموعد فولكلوري يستدعى مرة في السنة ثم يطوى. هنا، يتحول"إيض ن يناير" إلى حدث وجودي، وإلى لحظة تعيد فيها المدينة مساءلة علاقتها بالأرض، وبالذاكرة، وبأجيالها الصاعدة. وفي قلب هذا المشهد، يقف شباب تيزنيت في الواجهة، لا كمتفرجين ولا كمجرد مؤطرين، بل كفاعلين يصنعون المعنى، ويمنحون للاحتفال روحه الجديدة. من 10 إلى 14 يناير 2026، تحولت تيزنيت إلى فضاء مفتوح للفرح الجماعي، وهي تحتضن دورة جديدة من مهرجان "تيفلوين"، التظاهرة التي لم تعد مجرد عنوان ثقافي، بل أصبحت مرآة لمدينة اختارت أن تجعل من الثقافة مشروعا مستداما، ومن الهوية الأمازيغية رافعة للتنمية والانفتاح. خمسة أيام ستكفي لتكثيف سنوات من الذاكرة، ونسج خيوط متشابكة بين الماضي والحاضر، بين التراث والإبداع، وبين ما كان وما يمكن أن يكون. احتفال يتجاوز الفولكلور خلف كواليس هذا الموعد، تتحرك جمعيات المجتمع المدني، أغلبها يقوده شباب المدينة، بروح جماعية لافتة. اجتماعات وتنسيق وتوزيع للأدوار، واستنفار للطاقات، في مشهد يعكس نضجا تنظيميا، وإيمانا عميقا بأن الثقافة ليست ترفا، بل حقا جماعيا ومسؤولية مشتركة. شباب تيزنيت، الذين راكموا تجربة طويلة في العمل الجمعوي، يدركون أن نجاح "تيفلوين" لا يقاس بعدد العروض فقط، بل بقدرته على خلق أثر دائم في وعي السكان والزوار. احتفالية "تيفلوين" هذه السنة تأتي برؤية أكثر جرأة، تضع الثقافة في قلب السياسات المحلية، وتراهن على تثمين الرصيد الحضاري والموروث المادي واللامادي للمدينة، فالاحتفال بالسنة الأمازيغية، في تصور المنظمين، ليس استعادة نوستالجية للماضي، بل إعادة تأويل للذاكرة، بما يجعلها قادرة على مخاطبة الحاضر. لذلك، انفتحت البرمجة على الفضاءات الحضرية والتاريخية، وعلى الساحات العمومية والممرات العتيقة، في محاولة واعية لإخراج الثقافة من القاعات المغلقة، وإعادتها إلى حضن المدينة. نفس جديد برنامج هذه الدورة يعكس هذا النفس الجديد. العروض الفنية والتراثية لا تكتفي بإعادة تقديم الفنون الأمازيغية التقليدية، بل تشتغل على إبراز تنوعها وتعدد تلويناتها داخل الإقليم، في لوحات جماعية تختلط فيها الإيقاعات، وتلتقي فيها الأجساد على إيقاع الذاكرة، أما الورشات الإبداعية والتربوية، فهي رهان واضح على المستقبل، إذ تستهدف الأطفال والشباب، وتربطهم بجذورهم الثقافية عبر الفن، والحكي، والموسيقى، واللغة، في تجربة تعليمية خارج القوالب التقليدية. وفي المعارض الحرفية، يتحول الصانع التقليدي إلى راو، يقدم منتوجه باعتباره حكاية قبل أن يكون سلعة، الفضة، الجلد، النسيج، والخزف، كلها تحضر علامات لهوية متجذرة، وشهادات على علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض والمواد الطبيعية، إلى جانب ذلك، يخصص "تيفلوين" مساحة وازنة لفنون الطبخ الأمازيغي، حيث لا يحتفى بالأطباق فقط، بل بطقوس إعدادها، وبرمزيتها المرتبطة بالخصب والتجدد وتقاسم الخير، كما جرت العادة في "إيض ن يناير". وتبلغ الاحتفالات ذروتها في الليالي الروحية والفنية، التي تعكس عمق التعبيرات المحلية، وتبرز قيم التعايش والانفتاح التي وسمت تاريخ تيزنيت، هنا، يصبح الصوت وسيلة للتأمل، وتتحول الموسيقى إلى جسر بين الذاتي والجماعي، أما المسارات الاحتفالية، فتمتد عبر الساحات العمومية، والممرات التاريخية بالمدينة العتيقة، وبساتين "تاركا" وظلالها، وصولا إلى الفضاءات الثقافية، في مشهد يجعل من المدينة كلها خشبة مسرح، ومن سكانها جزءا من العرض. شباب حراس الذاكرة ما يميز "تيفلوين" هذه السنة، ليس فقط غنى البرمجة، بل الحضور القوي للشباب في كل تفاصيل التنظيم والتنشيط، شباب يشتغلون بصمت، وآخرون يعتلون المنصات، وفئة ثالثة تؤطر الورشات وترافق الزوار، الكل يجتمع على قناعة واحدة، أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل فعل مقاومة ثقافية ناعمة، في وجه النسيان والتسطيح. "تيفلوين" ليس حدثا عابرا، بل امتداد لانشغال ثقافي دائم، ورهان إستراتيجي لترسيخ رأس السنة الأمازيغية موعدا سنويا جامعا، يعزز الخصوصية الثقافية للمدينة، ويرفع من مستوى إشعاعها وطنيا ودوليا، غير أن الرهان الأكبر يبقى هو إشراك السكان في صناعة الفعل الثقافي، وجعلهم شركاء لا مجرد متلقين. ومع كل دورة من "تيفلوين"، يتأكد أن الهوية الأمازيغية ليست ماضيا يستدعى عند الحاجة، بل حياة تعاش، وتجربة تجدد نفسها باستمرار، إذ يثبت شباب المدينة، مرة أخرى، أن الثقافة حين تحمل بصدق، فهي قادرة على أن تجمع، وأن تلهم، وأن تصنع الفارق. هكذا، يصبح "إيض ن يناير" أكثر من تاريخ في "الروزنامة"، ويغدو لحظة جماعية لقول، نحن هنا، بذاكرتنا، وبأحلامنا، وبمدينتنا التي تعرف كيف تحتفل بذاتها. عبد الجليل شاهي (أكادير)