fbpx
ملف الصباح

إدريس بنسعيد: مسيرة 20 فبراير أحدثت رجة سياسية كبرى

أستاذ علم الاجتماع أكد أن الحركات الاحتجاجية التي أسقطت النظامين المصري والتونسي كانت مفاجئة إلا أن مؤشراتها كانت واضحة منذ سنوات

قال ادريس بنسعيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الحركات الاحتجاجية التي أسقطت النظامين المصري والتونسي رغم أنها كانت مفاجئة فإن مؤشراتها كانت واضحة منذ سنوات، وكان لها عدد ممن الأسباب العميقة أولها أن النظامين المنهارين كانا نظامين بوليسيين إلى أقصى تمركز المركزية، بمعنى أن الحريات الفردية وحرية التعبير حتى في الحدود الدنيا كانت شبه متعذرة، ومن ناحية ثانية عرف المجتمعان نمو طبقة متوسطة قوية ومتعلمة وشباب متعلم خريج جامعات ومعاهد لم يجد لنفسه أي مساحة من مساحات التغيير، وشدد بنسعيد على أن العامل الثالث الذي أدى إلى انفجار الوضع بتونس وليبيا فيتمثل في أن ذلك الشباب وجد لنفسه فضاء افتراضيا للتعبير هو فضاء الانترنت الذي ينفلت من كل رقابة ويجعل التواصل حرا إلى أبعد الدرجات.
وأشار إلى أن هناك أسبابا أخرى تختلف من مجتمع إلى آخر، معتبرا أن المجتمعين في مصر وتونس يعدان من أكثر المجتمعات العربية تقدما عبر انتقالها شبه الكامل من البنيات والانتماءات القبلية إلى الانتماءات الترابية الوطنية، وهذه بعض الأسباب التي يبدو أنها كانت وراء الحدث. وأضاف بنسعيد أن ما حدث في مصر وتونس كان مفاجأة فيما يتعلق بالتوقيت والسرعة التي تم بها والقدرات الهائلة لتجنيد فئات واسعة من الشعب يصعب على أي نقابي أو سياسي أن يجندها، وهذا هو المفاجئ أما بالنسبة إلى المتتبع في السنوات الأخيرة فكانت إشارات قوة لا تخطئها العين بأن هناك شيئا يحدث وأن هناك تحولات عميقة تحدث في المجتمع لا على مستوى المحلي أو العالمي.
وتابع بنسعيد أن التغيير لم يكن منتظرا، لكنه كان متوقعا، بيد أن الحقيقة التي فاجأت الجميع هي السرعة والقوة والحدة والنتائج التي تم الوصول إليها وإسقاط نظامين من أقوى الأنظمة العربية. معتبرا أن بوادر التغيير تنسحب ليس فقط على مصر وتونس بل تمتد إلى جميع الدول العربية، وتتمثل في أن الانتقال من جيل لآخر والانتقال بين الأجيال كانت تتم بكيفية رحيمة وسلسة، والملاحظ بالنسبة إلى العشر أو الخمس عشرة سنة الأخيرة أن انتقال الأجيال أدى إلى ظهور جيل جديد علاقته بالمجتمع تتسم بالخصوصية، لأنه يرفض المؤسسات والبنيات في شكلها الحالي عبر عزوفه على المشاركة في الانتخابات والعمل السياسي عموما، وهذا اعتبر مؤشرا قويا على حدوث التغيير، لأن هذا الشباب استطاع أن يعيش في ثقافته الفرعية الخاصة التي لها لغتها وطقوسها ومقتضياتها، والتي لا تشكل إلا الحدود الدنيا للاستمرارية مع الجيل السابق، إذ عرفت هذه الأجيال خلال السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة ليس فقط على مستوى سلوكها الاجتماعي والسياسي، بل كذلك على مستوى القيم والمتمثلات والتطلعات، وأضاف بنسعيد أن فئة الشباب داخل العالم العربي هي أكثر الفئات تضررا بالجوانب الايجابية لما يحدث في المجتمع سواء تعلق الأمر بالإقصاء السياسي أو البطالة التي تعد ظاهرة أفقية تمس المنطقة العربية بصفة كبيرة، وكل هذه كانت بوادر تؤشر على أن تغيرا ما سيحدث، لكن المفاجئ هو التوقيت والطريقة وسرعة تحقيق المطلب.
وشدد بنسعيد على أن البوادر يمكن أن تكون مشتركة ولكن السير بالنسبة إلى المجتمعات هو المختلف، وذكر مؤشرا مغربيا اعتبر أنه يمكن أن ينسحب على جميع دول العالم العربي هو المؤشر الديموغرافي الذي يوضح أن سن الزواج انتقل خلال الثلاثين سنة الماضية من حوالي 17 إلى 30 سنة، إذ أصبح الانتقال من مرحلة المراهقة إلى الاندماج في المجتمع مؤجلا، وهو ما يعني أنه أصبحت 15 سنة على الأقل جديدة فيها طاقات كثيرة جنسية وطاقات عمل وطاقات اجتماعية وسياسية مهدورة وغير مدبرة خارج كل تنظيم سواء تعلق الأمر بالزواج أو العمل أو النشاط الاجتماعي أو إنتاج الثقافة. ومعنى ذلك حسب بنسعيد أن هذه التحولات أدت إلى إنتاج واقع جديد لا توجد أي آلية من الآليات التي يمكن أن يدبر فيها وهذا يمكن اعتباره مشتركا.
أما الخصوصيات التي أدت إلى هذه الاحتجاجات فبالنسبة إلى مصر وتونس فإن التنظيم الاجتماعي منسجم إلى حد كبير، أما بالنسبة إلى المجتمعات الأخرى كاليمن والجزائر والحالة الليبية التي نعيش مأساتها حاليا هي خير دليل على ذلك، تؤكد أنه عندما ينسد الأفق السياسي فإن الحكام والسياسيين يتراجعون إلى مواقف سابقة عن الدولة وسابقة عن الديمقراطية مثل القبيلة والعرق والعشيرة والمعتقد واللغة والخصوصيات المحلية، بمعنى أن الآلية التي تنذر بالخطر أن عددا من هذه المجتمعات تميل إلى تدبير الأزمة بالتراجع إلى مواقع متأخرة جدا عن ما وصلت إليه المجتمعات الحالية عبر إذكاء النعرات الطائفية والمحلية.
وشدد بنسعيد بخصوص الحالة الجزائرية التي تتوفر فيها جميع المقومات التي سبق ذكرها، على أن لها بعض الخصوصيات تتمثل في أن المجتمع الجزائري لم يخرج إلا في أمد قريب من عنف دموي خلف عشرات الآلاف من القتلى، وهو العنف الذي ظهر بعد انسحاب الشاذلي بنجديد وإلغاء الانتخابات التي كانت ستحمل بالجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الحكم، إضافة إلى أن العلاقة بين مكونات المجتمع ذات الأصول التركية أو التونسية الماسكة بالحكم متوترة مع الأمازيغ في القبائل  والمجموعات الصحراوية، إلى جانب أن القمع العسكري في أعلى درجاته يمنع أي انتظام للمجتمع.
أما بخصوص الحالة المغربية فيرى بنسعيد أن لها إيجابيات إلى جانب إشارة قوية يجب أخذها بعين الاعتبار، أما الايجابية فتتمثل في أن مسيرة 20 فبراير أحدثت رجة سياسية كبرى وصلت إلى أعماق المجتمع وأعماق النظام السياسي وبدأت مؤشراتها تظهر، هذه الرجة حسب بنسعيد أحدثت تغييرات إيجابية على مستوى الخطاب، ويكفي النظر إلى برامج الإذاعة والتلفزيون وبعض البرامج التي بثت بعد المسيرات ليظهر تغير قوي في الخطاب وتجاوز للرقابة الذاتية والحاجز السيكولوجي، أما فيما يتعلق بالأحزاب السياسية والطبقة السياسية ومهما كان موقفها من الأحداث فإنها جعلتها تطرح مجموعة من التساؤلات الكبرى، كما أنها أعادت الشباب إلى اكتشاف السياسة والشأن العام وهذه هي الإيجابيات.
أما الإنذارات التي يجب على المسؤولين الانتباه إليها فتتجلى في نظر بنسعيد في خطر الفراغ السياسي لأن الأحزاب السياسية ومهما كانت انتقاداتنا لها لكنها أساس أي مجتمع ديمقراطي حداثي، والمسؤولية تتحملها الدولة بشكل كامل لأنها قلصت العمل السياسي إلى حد كبير، إلى حد جعل هوامش التحرك السياسي أصبحت ضئيلة جدا، وما رفعه الشباب ببساطة حول الإصلاح الدستوري والسياسي سبق أن تداولته الأحزاب السياسية قبل خمس سنوات وسبق لرؤساء بعض الأحزاب أن قدموا رسائل حولها إلى الديوان الملكي.
وأشار بنسعيد إلى أن الوضع وصل إلى مرحلة مهما كانت مصداقية الأحزاب السياسية وظروف الانتخابات فإنها عندما تصبح جزءا من الحكومة تصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، لأن الحكومة لا تمتلك أي صلاحيات سياسية أو تقريرية، باستثناء صلاحيات تدبير الإدارة والشأن الإداري.
موضحا أن التبخيس الذي يعرفه العمل السياسي وتقليص دور الحكومة وسلطات الوزير الأول يعد أمرا فيه كثير من الخطورة ليس فقط على الأحزاب السياسية، ولكن أيضا على بنية العمل السياسي خلال المدى المتوسط والبعيد.وأشار بنسعيد إلى أن الجميع يتحدث عن الخصوصية المغربية، مضيفا أنه إذا قارنا بيننا وبين المجتمعات العربية سنجد أن مساحات التعبير عن الرأي في المغرب واسعة جدا، ولكن الذي حدث منذ عقد أو عقد ونصف أن هامش الكلام اتسع بشكل كبير، لكن بقدر اتساع الخطاب ظلت الممارسة نفسها، الأمر الذي جعل الخطاب السياسي أو الصحافي أو الثقافي يبدو للجماهير مجرد كلام ولا يؤدي إلا إلى الكلام الفارغ، والدليل أن تدبير النظام يتم من خلال البرلمان بغرفتيه الذي يتسم بالضعف من الناحية السياسية، لأن إنتاج السياسة وإنتاج الاختيارات الكبرى وتدبير الملفات الكبرى يتم من خلال مجالس استشارية لا تملك أي سلطة تقريرية على الإطلاق، والنماذج الصارخة في هذا المجال الهيأة الوطنية للوقاية من الرشوة ومجلس المنافسة.
واعتبر بنسعيد أن مسيرة 20 فبراير كانت ذات مدخلين، الأول تم خلال واضحة النهار من خلال تظاهر شباب متعلم غيور على وطنه له من الوعي ما يجعله يتجاوز مطالبه الشخصية ليترجمه إلى مطلب سياسي، أما في المساء فخرجت فئات غير منظمة وعاثت في البلاد تخريبا دون رقيب للمطالبة بتحقيق مطالب آنية.

إسماعيل روحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق