موسم ديني بروح مغربية بضريح الحاخام "دافيد بن باروخ" على إيقاع هادئ يشبه نبض الأرض، وفي فضاء تتداخل فيه الروحانيات مع الذاكرة الجماعية، تتواصل بالجماعة الترابية تنزرت، بضواحي تارودانت، فعاليات الموسم الديني اليهودي وطقوس الهيلولة عند ضريح الحاخام دافيد بن باروخ، في مشهد يختزل قرونا من التعايش والتسامح المغربي. وشكل الموسم محطة لافتة، بحضور رسمي وازن ترأسه سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان، إلى جانب مبروك تابت، عامل إقليم تارودانت، وكريم أشنكلي، رئيس مجلس جهة سوس ماسة، وبمشاركة ممثلي المصالح الأمنية والعسكرية ومنتخبين محليين، إضافة إلى حشود غفيرة من أفراد الطائفة المغربية اليهودية ، القادمين من مختلف مناطق المملكة ومن بلدان المهجر، خاصة فرنسا وكندا وإسرائيل. ضريح بذاكرة عابرة للقرون انطلقت طقوس "الهيلولة"، ليلة الثلاثاء الماضي، على أن تمتد فعالياتها لأزيد من أسبوعين، تتخللها الصلوات والأدعية وطقوس التبرك بروح الولي الصالح الحاخام دافيد بن باروخ، الذي تعود وفاته إلى 1760 ميلادية، وفق ما أكده مشاركون في هذا الموسم الديني. وتستهل مراسم الاحتفال بإيقاد ثماني شمعات، بمعدل شمعة عن كل يوم يسبق ليلة الهيلولة، داخل "الحانوكا" وهو مجسم يتوسط ساحة الضريح ويضم تسع شمعات، فيما يتم إشعال الشمعة التاسعة ليلة الهيلولة إيذانا بالفرح وكسب البركة، كما أوضح الحاخام اليهودي ألبير داغون. وبالتزامن مع وهج الشموع داخل الضريح وخارجه، تنطلق طقوس "الذبيحة"، التي تشكل إحدى أبرز لحظات الهيلولة، وتشمل ذبح أبقار وخراف ودجاج، تقدم قرابين، وتوزع على الحجاج اليهود وضيوفهم طيلة الأيام التي تسبق الليلة الكبرى. وقال الحاخام نحمان بيطون إن "أجدادنا اعتادوا منذ قرون القدوم إلى ضريح دافيد بن باروخ لإحياء هذه الطقوس المقدسة، وسار الأبناء على النهج نفسه، طلبا للبركة وشفاء الأسقام ونيل الرضا". وأضاف أن الحجاج يؤدون الصلوات ليلة الهيلولة، ويتقاسمون لحظات الرقص والغناء، ويقتنون شمع المزار بمبالغ تتراوح بين 10 دراهم و40 ، اعتقادا منهم بأن هذه الشموع تجلب الرزق والعافية، وتحفظ الاستقرار الأسري وتشفي من الأمراض. ولا تقتصر "الهيلولة" على بعدها الديني فحسب، بل تشكل مناسبة سنوية لاستحضار تاريخ طويل من التعايش بين المسلمين واليهود بالمغرب، حيث ظل المغاربة اليهود جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد. ويجسد هذا الموسم، مرة أخرى، الرؤية المغربية القائمة على صون التعدد الديني وترسيخ قيم الاعتدال والانفتاح، باعتبار المغرب أرضا للعيش المشترك واحترام الخصوصيات الدينية، وهو ما تنعكس ملامحه في الأجواء الروحانية المؤثرة التي تميز الاحتفالات، حيث تتعالى الأدعية وتختلط لحظات الصمت بخشوع المكان. شهادات واعتقادات راسخة من بين القصص المتداولة في موسم الهيلولة، ما روته صولانج بوختال، وهي مغربية يهودية مقيمة بفرنسا، عن امرأة يهودية قدمت إلى الضريح قبل نحو 70 سنة وكانت تعاني العقم، فأقامت بالمزار قرابة عشرة أيام، قبل أن تعود إلى باريس لتنجب لاحقا ابنا أسمته "دافيد". وبحسب الرواية نفسها، ظل الابن دافيد منذ ولادته مواظبا على زيارة الضريح وتقديم الذبائح والهدايا المالية، اعتقادا بأن خيرها يعم زائري المزار. وأكدت صولانج، التي اعتادت زيارة الضريح منذ أن كان عمرها لا يتجاوز خمس سنوات، أنها تحج إلى هذا المكان "طلبا للشفاء وصحة أبنائها، ولسلام دائم يعم الجميع". وفي المشهد ذاته، يتبرك الشيوخ والكهول بالقبر، بينما يشعل الأطفال الشموع، ويتمسحون بالجدار، وتفيض أعينهم بالدموع وهم ينشدون ويرقصون فرحا بالمناسبة. وقالت الطفلة أوريل (16 سنة)، القادمة من فرنسا: "أزور هذا الضريح رفقة أسرتي منذ أربع سنوات، وأطلب من الله مستقبلا أفضل وحظا أوفر". الطقس الصامت… ذاكرة المكان يقع ضريح الحاخام دافيد بن باروخ بمقبرة "أغزو نباهمو" بالجماعة الترابية تنزرت، ويعود تاريخ وفاته إلى 1760 ميلادية، ومنذ ذلك الحين، ظل المزار قبلة دينية لليهود من داخل المغرب وخارجه، خصوصا خلال موسم الهيلولة الذي يتزامن مع اليوم الثالث من شهر "طبيبط" وفق التقويم اليهودي. ويحرص الزوار على إحياء ذكرى الوفاة عبر طقوس دينية متعددة، تشمل إيقاد الشموع، وتلاوة الصلوات بالعبرية، وذبح القرابين تحت إشراف الحاخامات، إلى جانب جمع تبرعات تخصص لأعمال خيرية داخل الطائفة. بعيدا عن البرنامج الرسمي، يلفت انتباه الزائر طقس غير معلن، لكنه حاضر بقوة في الذاكرة الجماعية للمنطقة. فمع اقتراب الظهيرة، وبعد ساعات من الصلاة والتلاوة، يخفت صخب المكان، ويستسلم الحضور لسكون عميق، وتحت ظلال أشجار الزيتون، ووسط خيام بسيطة تحيط بالضريح، تتحول الهيلولة إلى لحظة جماعية للتأمل واستعادة الأنفاس، كأنها امتداد طبيعي لروح الموسم القائمة على السكينة والتقرب إلى الله. هنا، لا تفهم الهيلولة استراحة عابرة، بل طقس ديني ضارب في عمق التقليد اليهودي، ظل حجاج اليهود من مختلف أنحاء العالم يؤمونه منذ قرون، طلبا للبركة والرضا. فالهيلولة ليست مجرد موسم ديني، بل مرآة تعكس مغربا متصالحا مع تاريخه، فخورا بتعدده، حيث تتآلف الصلوات مع الصمت، وتتحول الذبائح إلى لغة غير منطوقة للتسامح والتعايش، تنبع من ضواحي تارودانت. عبد الجليل شاهي (أكادير)