جسد تجربة متكاملة لفنان عاش للفن وبالفن وتميز أداؤه بالصدق والعفوية ظل اسم الفنان عزيز موهوب منذ رحيله سنة 2019، حاضرا في الذاكرة الفنية المغربية، باعتباره من الفنانين الذين اختاروا طريق الالتزام والصدق في علاقتهم بالفن. لم يكن من الأسماء التي سعت إلى الأضواء أو الشهرة السريعة، بل آمن بأن العمل الجاد والاستمرارية هما السبيل الوحيد لترك أثر حقيقي، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور، رغم مرور السنوات على غيابه. ولد الراحل في مراكش، وسط أحيائها العتيقة التي شكلت فضاءه الأول لاكتشاف الحياة والناس. في تلك البيئة الشعبية، تشكل وعيه المبكر، وتفتحت ميولاته الفنية منذ الطفولة، إذ جذبته السينما والمسرح، ووجد في الفن وسيلة للتعبير عن هموم الناس البسطاء. غير أن حلم الفن لم يكن سهلا في زمن الاستعمار، إذ اصطدم بواقع حظر التجمعات والتضييق على كل أشكال التعبير، ما جعل ممارسة المسرح مغامرة محفوفة بالمخاطر. رغم ذلك، لم يتخل عزيز موهوب عن شغفه، بل واصل طريقه بإصرار، مقتنعا بأن الفن متنفسه وحياته وعشقه. دفع ثمن هذا الاختيار مبكرا، في الوقت الذي وجد فيه نفسه مطالبا من قبل سلطات الاستعمار بسبب انخراطه في العمل المسرحي، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في مساره، لكنها لم تضعف عزيمته وزادت من قناعته بأن المسرح يمكن أن يكون فضاء للمقاومة الهادئة وبناء الوعي. مع مرحلة ما بعد الاستقلال، دخل موهوب مرحلة جديدة، سيما بعدما فتحت أمامه أفق الاحتراف، وساهم في تأسيس تجارب مسرحية مهمة، إلى جانب أسماء وازنة في الساحة الفنية. ورغم الصعوبات المادية التي رافقت تلك المرحلة، ظل وفيا لقناعته بأن الفن لا يقاس بالمردود المالي، بل بقدرته على لمس معاناة الناس والبقاء في ذاكرتهم، والأكثر من ذلك جسدت أعماله المسرحية هذه الروح، سيما أنها جمعت بين البساطة والعمق، وبين المتعة والرسالة. انتقل عزيز موهوب إلى مجالات أوسع في التمثيل، وشارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية، رسخت حضوره لدى جمهور عريض. وتميز أداؤه بالصدق والعفوية، ما جعله قريبا من المتلقي، وقادرا على تجسيد شخصيات تنتمي إلى الواقع المغربي بكل تناقضاته. لم يكن يسعى إلى البطولة بقدر ما كان حريصا على أن يكون جزءا من عمل يحمل قيمة فنية وإنسانية. اليوم، وبعد سنوات على رحيله، يتأكد أن عزيز موهوب لم يكن مجرد فنان مر من الساحة، بل تجربة متكاملة لفنان عاش للفن وبالفن. أعماله ما تزال شاهدة على مسار طويل من العطاء، ومسيرته دليل على أن الإبداع الصادق قادر على مقاومة النسيان، وأن بعض الأسماء، مهما غابت أجسادها، تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية. إيمان رضيف