معاناة سكان الجبل تتضاعف بتهاطل الثلوج ومبادرات للتخفيف من وطأته على المتضررين تزيت جبال منطقة الأطلس المتوسط ببياض ثلج أبهج الأفئدة وأحيى الأرض والشجر وفرشة مائية متقلصة بشكل مخيف، وابتهج لطلعته البهية إنسان مفتتن به ومنتش بقدومه. نصاعته حولتها لوحة طبيعية رائعة لا تحتاج فنانا يرسمها أو يشرح ما يخفيه البياض من جمال وأمل ومعاناة يحجبها لون يغطي الأرض بما فيها ويخفي أنين القلوب. للثلج نعم لا تعد ولا يعلمها غير المكتوين بشح آبار وجفاف حقول. وبه تستعيد الأرض حياتها وتنتعش سياحة تدفئ جيوب فقراء تحجب عنهم الجبال، أشعة التنمية، على غرار متعاطي مهن موسمية تنتعش بتهاطله وإقبال زوار على هبري وميشلفين، حيث يجد أبناء دواوير مجاورة، فيه مناسبة سانحة لكسب مضاعف، يخفف من وطأة ألم برده القارس. إعداد: حميد الأبيض (فاس) / تصوير (أحمد العلوي المراني) أيام في الجحيم يقضيها رازحون تحت الثلج في قرى ناقصة التنمية والتجهيز، تئن تحت وطأة خصاص في الحاجيات والمرافق الأساسية. وساعات يقضيها مسافرون في جحيم انتظار إعادة فتح طرق يغطيها ويحول دون انسيابية السير بها لتأمين العودة الآمنة للديار. خوف وتوجس وآلام تتجرعها فئات مختلفة، ويخفيها انشراح وابتهاج مؤقت. طريق البياض لم يفتر المطر في صباح الأربعاء الماضي، طيلة الطريق بين مدينتي فاس وإيموزار كندر، حيث بدت الحركة كثيفة. غزارته لم تخف إلا في كيلومترات معدودات قبل إفران، وعسرت سير المركبات بالانسيابية المطلوبة. أما الضباب الكثيف، فقلص حجم رؤية الطريق وجبال علاها بياض الثلج بكمية أقل مما عليه في "سويسرا المغرب". رقعة بياض الثلج زادت وتوسعت تدريجيا في امتداد طويل وشاسع في اتجاه جماعة بتصميم، حيث كانت مؤسسة محمد الخامس تستعد لإطلاق مبادرة اجتماعية وإنسانية لفائدة سكان دوار يحيى أوعلا. جمال طبيعة بيضاء أثثتها لوحات رسمها الثلج فوق الأشجار، وأبهرت وافدين لم "يقرس" البرد بعد أبدانهم وقد حمتهم سيارة مكيفة. انتهت المهمة وانفض الكل من حول سكان محتاجين لمن يحضن آلامهم، ويخفف عنهم وطأة برد قارس وتهميش حارس ليومياتهم البئيسة. واختار الزوار الطريق تجاه جماعة تمحضيت حالمين بصور تؤرخ لبياض بطعم الألم. حلمهم ورغبتهم فرملهما حاجز الثلج المانع للمرور عبرها، حفاظا على سلامة الجميع وتفاديا لأي حوادث أو مشاكل عصية. ممنوع مواصلة السير بهذه الطريق الوطنية تجاه تمحضيت وبينها وأيت أوفلا وأزرو، حفاظا على سلامة مستعمليها. كثافة الثلوج حالت دون تدفق المركبات الخفيفة والمقطورة، عبرها وفي الاتجاهين بين إفران وجبل هبري عبر ميشليفن، عكس طرق أخرى كانت فيها الحركة عادية تجاه مناطق الحاجب والبقريت وأميس كيكو وبولمان. بانتظام أشعرت مصالح مديرية التجهيز والنقل واللوجستيك بإفران، في صفحتها "الفيسبوكية"، مستعمليها بحالتها. ووفرت وسائل لوجستيكية وبشرية كافية لإزاحة الثلوج بالسرعة اللازمة وإعادة فتح الطرق في وجه حركة المرور، كما تلك في بولمان وتازة وميدلت والأقاليم المعنية بالتساقطات الثلجية موضوع نشرة جوية إنذارية معممة. إفران البيضاء تبدو إفران في صورة أجمل وأنصع وقد التحفت بالبياض ليس حدادا، بل ابتهاجا بثلج يراهن عليه كثيرا لإنعاش سياحتها الأكثر انتعاشا بتهاطله. في ذاك الصباح بدت في أبهى حلة عروسا مبتهجة بليلة زفها، ولو انفض من حولها الكل، كما لو أن أسدها كشر عن أنيابه وأخافهم. كلهم تحصنوا في ديارهم الدافئة أو فنادقها المستقبلة. مشكل التدفئة وحطبها غير مطروح لفئة واسعة من سكان المدينة ممن جهزوا منازلهم بوسائلها ولو كلفتهم غاليا، عكس القاطنين على هامشها وبجبال تحجب عمن بها، شمس التنمية والحلم بالأفضل، حيث يبقى وقع الثلج والبرد أقسى على أبدان أضناها البحث عن كل ما من شأنه أن يدفئها في غياب مبادرات منتظمة وأكثر جدية ووقعا. نداءات الدعم تصدح بها حناجر قاطني جبل هبري وميشلفين ممن غطى البياض واللامبالاة خياما بلاستيكية لا تقيهم حرا ولا بردا. أصواتهم بحت دون أن يكلوا أو يملوا من طلب "نجدة" من برد يزداد قساوة عليهم كلما تهاطل الثلج خاصة أن نسبة كبيرة منهم رحل رعاة غنم ليس لهم من إمكانية تدبر تكاليف الحطب، غير الأصفار. "تمحضيت تستحق المساعدة" صيحة ألم أطلقها أبناؤها افتراضيا لمعاناتهم بسبب الثلوج والبرد وانقطاع الكهرباء والإنترنيت، حالمين بإيجاد آذان مصغية لأنين يومياتهم بسبب غياب حطب التدفئة وعجزهم عن تدبر تكاليفه وحاجتهم للأفرشة والأغطية والمواد الغذائية الأساسية التي تقل كلما انقطعت الطرق وحجب الثلج عنهم، نورها. "الواقع مؤلم ويمحو فرحة الثلوج بتمحضيت. تكلفة حطب التدفئة مرتفعة والكهرباء منعدم للتدفئة به والجو بارد جدا" يصرخ أبناء الجماعة مطالبين الشركة الجهوية متعددة الخدمات بتوفير "حلول مستدامة لتفادي هذه الانقطاعات وخدمة كهربائية مضمونة للسكان"، لأن "الوضع لا يحتمل، ويجب اتخاذ إجراءات فورية لتفاديه". انقطاع الكهرباء انقطاع الكهرباء أرق سكان تمحضيت وغيرها من المناطق الثلجية، وأتلف أجهزة كهربائية ويعرض للخطر حوامل ومرضى بالمستشفى ودار الأمومة، ف"هل يعي المسؤول عن الشركة، حجم الضرر؟" يصرخ مجلس جماعة تمحضيت، مؤكدا "قمنا بعقد دورات وتم استدعاؤهم لحضورها، ولا من آذان مصغية. لقد سئمنا من هذا الوضع". الغضب لم يكن حكرا على تمحضيت وامتد لمناطق أخرى ودواوير أغبال وإمزوجن وتافرت بإعزران بإقليم صفرو لم يستسغ سكانها الانقطاعات المتكررة في تغطية الهاتف والكهرباء، ليتركوا في مواجهة مصيرهم الغامض بعد أن حاصرتهم الثلوج منذ بداية الأسبوع، وبشكل صعب حتى وصولهم لماشيتهم لمنحها العلف حفاظا على حياتها. جميعهم وسكان مناطق شبه معزولة، يمنون النفس بتدخلات أكثر نجاعة وفعالية لإزاحة الثلوج من الطرق وتفادي انقطاع الكهرباء، فيما طمأنت الشركة زبناءها بتلك المناطق ساردة تدخلاتها التقنية لضمان استمرارية التزويد بالمادة عبر إنجاز عمليات الصيانة والتدخل على الأسلاك الكهربائية دون قطع التيار الكهربائي. تدخلاتها الميدانية للفرق التقنية لمعالجة مختلف الأعطاب الطارئة على الشبكة الكهربائية والناتجة عن الظروف الجوية الاستثنائية بإقليم الحاجب، اعتبرتها من بين أكثر الأشغال حساسية وخطورة، لما تتطلبه من كفاءة عالية وحرفية دقيقة والتزام صارم بقواعد السلامة، ما يعكس الاحترافية العالية وجاهزية الفرق التقنية الميدانية. تدخلات الفرق التقنية ووسط تساقطات ثلجية كثيفة وليل نهار أحيانا لضمان استمرارية الخدمات والتدخل السريع لمعالجة أي طارئ، لم تمنع حدوث أعطاب وانقطاعات في عز الحاجة للكهرباء، ما أغضب زبناء تمنوا تحليها أكثر بروح المسؤولية والالتزام باستمرارية الخدمات الأساسية مهما كانت الظروف المناخية ودرجة قساوتها. نداءات الإغاثة تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، منصة لاحتضان آلام سكان مناطق متضررة. لم تكتف بالإخبار والرصد، وتحولت أداة للتبليغ عن حالات إنسانية تستدعي تدخلا رسميا، على غرار شخص من ناحية أزيلال "رمته ظروف" بأحضان تمحضيت أوته شوارعها وذاق قساوة بردها، قبل إطلاق أحد أبناء المنطقة، نداء لإيوائه حفاظا على سلامته وحماية له. التدخل الرسمي للإيواء والإطعام شمل متشردين بمناطق أخرى بإفران وغيرها، دون أن تكف حناجر وأقلام عن إطلاق نداءات إغاثة واستغاثة تمنت تخصيص أرقام هاتفية لتلقي مثل تلك النداءات في كل المناطق المعنية بالتساقطات الثلجية والمشمولة بالنشرات الجوية الإنذارية المحينة، تلافيا لوقوع كوارث وحفاظا على سلامة الكل. صفحات وحسابات "فيسبوكية" لعبت دورا هاما بإثارتها حالات تستدعي التدخل، كما تلك لمواطن بدوار المسارح بجماعة أولاد علي ويوسف. وأخرى رسمية نشرت مستجدات حالة الطرق وبلاغات عن تعليق الدراسة واستئنافها في قرارات اتخذتها غالبية مديريات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بأقاليم جهة فاس مكناس. بياض الثلج وقساوته على أبدان أبناء مناطق شملتها تساقطاته، لم تمنع دفئا افتراضيا واسعا ثبت معدنا أصيلا لمغاربة تتآلف قلوبهم وتفعم بالتضامن في مبادرات إنسانية واجتماعية شرعت فعاليات في مناطق متفرقة فيها بجمع ملابس وأغطية وإعانات لمساعدة متضررين من موجة برد قارس لا قدرة لهم على درئها وتدفئة أبدانهم. "عمليات دفء" مختلفة تسعى لتدفئة أجساد أنهكها البرد، موازاة مع مبادرات رسمية موازية للجهود الميدانية لمختلف المصالح والإدارات سيما مصالح وزارة التجهيز والماء التي قضت مواردها ليالي بيضاء وساعات طويلة في تدخلات لإزاحة الثلوج وفتح الطرق والمسالك وضمان انسيابية حركة السير، إلى جانب مصالح الصحة والتعليم وغيرهما. جنود الخفاء مندوبيات التجهيز بمختلف أقاليم الأطلس سخرت كل إمكانياتها لفتح الطرق ولم تدخر جهدا في ذلك، ما شوهد بمختلف طرق إفران وغيرها بدا مستخدموها كخلية نحل لا تكل ولا تمل لضمان فتح الطرق المقطوعة وانسيابية السير وتوجيه مستعمليها لاتجاهات ممكن منها الوصول لوجهاتهم بدون أي مخاطر سيما عبر الطريق رقم 13. طيلة ساعات متواصلة كان هؤلاء المستخدمون بقلب العاصفة متحملين مخاطرها في فرق تحركت بين عتمة الليل البارد وسط الثلج الكثيف والناصع البياض ورغم قساوة الظروف الجوية، ليكتبوا بمداد الفخر والاعتزاز، صفحة من ملحمة عطاء يومي تحملوا لأجله كل الصعاب على غرار باقي المتدخلين من مختلف القطاعات المتدخلة. وليس أقل شأنا ودورا من هؤلاء من جنود الخفاء، أطقم طبية وتمريضية جندت لتقديم الإسعافات والتلقيح ضد فيروس الورم الحليمي البشري سيما ضمن عملية "رعاية"، على غرار طاقم وحدة طبية متنقلة تنقل لنقطتين لهما خطورة عالية في أيت لحسن وآيت سعيد، ضمن قافلة طبية استفاد فيها 250 شخصا من فحوصات وتدخلات. وقس على ذلك تدخلا استعجاليا ناجحا لإنقاذ حياة ستينية من دوار آيت عزيز ألم بها طارئ صحي لتنقل للمركز الصحي بتمحضيت ومنه لمستشفى 20 غشت بأزرو لخطورة حالتها، إضافة إلى 3 أفراد من الأسرة نفسها حاصرتهم ثلوج بمنطقة هبري، وشملهم تدخل ميداني بإشراف من السلطات المحلية بقيادة إركلاون بتيكريكرة ناحية أزرو. رب الأسرة أصيب بوعكة صحية ومخزونها من الحطب نفد، ما اضطره للاستنجاد بالسلطة قبل تسخير دراجة ثلجية قطعت 16 كيلومترا وسط الثلوج، للوصول لمكان وجود الأسرة، في عملية إنقاذ استغرقت 3 ساعات وجرت في ظروف مناخية صعبة جدا، لكنها تعكس حجم التعبئة والتنسيق بين مختلف المصالح لضمان سلامة المواطنين.