أسلاك بدل شاشة إلكترونية وكراس مهترئة عوض خدمة رقمية تواصل الملحقة الإدارية "الفردوس" في حي الألفة، أحد أكبر الأحياء السكنية بالعاصمة الاقتصادية، إثارة استياء المرتفقين، بسبب تدهور بنياتها التحتية وضعف خدماتها، في مشهد يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي حول تحديث الإدارة وتقريبها من المواطن. ومنذ الساعات الأولى لمنتصف النهار، تبدأ ملامح المعاناة في الظهور أمام مدخل الملحقة، فالمرتفقون، من مختلف الأعمار، يصطفون في طوابير في انتظار الولوج إلى المرفق الإداري لقضاء أغراض بسيطة، مثل المصادقة على وثيقة أو الحصول على شهادة إدارية، وكبار سن ونساء يقفون لساعات، أحيانا تحت أشعة الشمس الحارقة، دون أي تنظيم واضح أو فضاء يحترم الحد الأدنى من شروط الاستقبال. وتعكس مشاهد الانتظار غياب رؤية واضحة لتحسين علاقة الإدارة بالمواطن، رغم أن الحي يعرف كثافة سكانية كبيرة، ما يضاعف الضغط على هذه الملحقة، حسب عدد من المرتفقين. وعند الاقتراب من واجهة الملحقة، يلفت الانتباه وجود شاشة إلكترونية مكسورة، كانت مخصصة لعرض اسم الملحقة أو تنظيم الخدمات، قبل أن تتحول إلى هيكل معطل وأسلاك مكشوفة، في صورة تختزل حجم الإهمال الذي طال المرفق، فلا أثر لأي محاولة إصلاح أو صيانة، وكأن هذه الواجهة لم تعد تعني شيئا. داخل قاعة الانتظار، لا يبدو الوضع أفضل حالا، فهناك كراس مهترئة، بعضها غير صالح للجلوس، ما يجبر العديد من المرتفقين على الوقوف لفترات طويلة، وهي وضعية لا تمس فقط براحة المواطنين، بل تمس كرامتهم، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام معايير تهيئة المرافق العمومية. ورغم الحديث المتكرر عن تعميم الرقمنة وتحديث الخدمات الإدارية، لا يظهر لهذا التوجه أي أثر داخل ملحقة الفردوس، فلا نظام إلكتروني لتوزيع الأدوار، ولا شاشات لتنظيم الانتظار، بل يعتمد العمل على أوراق صغيرة تحمل أرقاما تمنح للمرتفقين، في أسلوب تقليدي يزيد من الارتباك ويطيل زمن الانتظار. وعبر عدد من المرتفقين عن استغرابهم لهذا الوضع، معتبرين أن الملحقة تعيش خارج الزمن، مقارنة بمرافق أخرى بدأت، ولو بشكل نسبي، في اعتماد حلول رقمية تقلص الاحتكاك المباشر وتخفف الضغط عن الموظفين. ومن بين أبرز الإكراهات، النقص الحاد في عدد الموظفين، ففي أوقات الذروة، تكون معظم الشبابيك الزجاجية مغلقة، بينما يشتغل موظف واحد أو اثنان فقط على خدمة العشرات من المرتفقين، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة وسرعة الخدمات، حيث قد يستغرق إنجاز إجراء إداري بسيط أكثر من ساعة، في حين لا يتطلب سوى دقائق معدودة في ظروف عادية، ما يطرح تساؤلات حول تدبير الموارد البشرية داخل الملحقة، ومدى ملاءمة عدد الموظفين لحجم الطلب اليومي على الخدمات. وتقول السعدية (46 سنة)، ربة بيت: "نسمع كثيرا عن الإدارة الرقمية، لكن ما نعيشه هنا شيء آخر تماما، إذ نقف ساعات من أجل إنجاز وثيقة بسيطة، ولا نرى أي أثر للتحديث". أما زوجها، متقاعد، فيؤكد أن "المكان في حاجة إلى إصلاح شامل، من الكراسي إلى التنظيم، لأن المواطن يستحق معاملة أفضل". وتعكس شهادات عدد من زوار الملحقة شعورا عاما بالإحباط لدى المرتفقين، الذين يرون أن واقعها لا يرقى إلى تطلعاتهم ولا إلى الوعود المعلنة، فملحقة الفردوس بحي الألفة تمثل نموذجا للفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي حول تحديث الإدارة، والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن. بنية تحتية متدهورة، ورقمنة غائبة، وخصاص في الموارد البشرية، عوامل تستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المسؤولة، من أجل إعادة تأهيل المرفق، وتوفير شروط استقبال لائقة، وتفعيل حلول رقمية حقيقية، تضع حدا لمعاناة المرتفقين وتعيد الثقة للإدارة العمومية. خالد العطاوي