fbpx
الأولى

أكادير تخفي كنوزها وتتكبر على السياح

قلبها لا يتوقف عن الخفقان وسحرة يحمون حصن “فونتي” ويعبثون بالطقوس والفصول الأربعة

تتمنع أكادير في كشف أسرارها، وتحرس الجبال والبحر عذريتها، فتتكبر على السياح الباحثين عن الشمس في “عز” فصل الشتاء، وتحن على أبنائها بهبات الطيبوبة والمرح، ولو أضنتهم لقمة العيش المرة.
لا خوف على “فونتي”، فجاذبيتها سر أٌودع حصنا منيعا في ملك سحرة يعبثون بأحوال الطقس متى شاؤوا، فتراهم يرسلون

أشعة الشمس لتلفح أجساد الإنجليز والفرنسيين وباقي شعوب الأمم المتحدة شتاء، وتمنحهم نسائم عليلة صيفا، وتخذلهم نهارا وتسحرهم ليلا… ومهما احتموا بحضنها تتأفف من البوح بأسرارها فيزدادون تعلقا بها.
هي هكذا، مدينة بقلب الجبال المحيطة بها، ورئة بحرها حتى في زمن الثورات العربية لا تبالي، فهي هادئة ووديعة شمالا، وصاخبة ومتمردة جنوبا، فلا تخضع إلا لقوانين جبال الأطلس وتيارات المحيط، ولا تستسلم إلا لمشيئة الشمس في دورانها، ولا تحتكم إلى منطق الفصول المتعاقبة، بل إلى عفوية أهلها وطيبوبتهم، فتلف حبل الإعجاب على كل من يحاول اقتحام حصنها.
صباحا، تختفي الحياة في جنوب أكادير، فتبدو المركبات والشوارع السياحية مهجورة تسكنها الأرواح، فالسياح يختفون مثل “القط في يوم العيد”، إذ يتسلل الضجر إلى الفنادق الفخمة والمطاعم الراقية والمقاهي الجذابة، وتتوقف عقارب الساعة على الشاطئ، فيفر عشاق زبد البحر والرمال إلى وجهة مجهولة، ويصاب من يجرؤ على اقتحام الفضاء بالضجر والاكتئاب إلا من هواة “الوحدة” ومدمني رياضة المشي.
شمالا، يهب أهل “فونتي” من أَسرتهم باكرا، فتدب الحركة في الدروب الضيقة والأزقة المتربة، ويصطف المجازون في طوابير أمام ولاية الجهة لوضع ملفاتهم أملا في عمل يقيهم التشرد والضياع، ويتناقل رواد المقاهي آخر قفشات القذافي، ويتيهون ساعات في أخبار “الجزيرة” و”العربية” ومباريات كرة القدم المعادة.
في “فونتي” الشمالية، يتسابق سائقو سيارات الأجرة حول الزبائن، فتزدحم المدارات ويعلو الصراخ والتذمر لمدينة فقدت هدوءها في جنوبها أمام لا مبالاة المتعاقبين على تسييرها، إذ يسرد عشرات سكانها شعورهم بـ “الحكرة” من مسيرين لا تجذبهم إلا الفضاءات السياحية، فيغدقون عليها بالمال والاهتمام ويسهون عن أحياء أخرى تغرق في الأزمات.
ولأن قلب أكادير لا يتوقف عن الخفقان، تستمر لعبة “تبادل الأدوار” مع غروب الشمس، حينها يستسلم وسط المدينة إلى الهدوء بعد يوم صاخب، وتغرق الأحياء الشعبية في سبات عميق، إلا من متسولين وحمقى يقطعون الشوارع جيئة وذهابا للبوح بمعاناتهم، ورجال أمن يحرسون المدارات الفارغة والمؤسسات الإدارية المهجورة.
في الجنوب، تُشعل الفنادق والكازينوهات أنوارها، ويصيح “فاشلون” بأغان لجذب الزبناء إلى المطاعم حتى يتحول الشاطئ إلى “استوديو” لهواة الراي والأغاني الشعبية والأجنبية التي تثير الإشفاق وأيضا الإعجاب حين يهب بعضهم للرقص أمام الملأ مثل أفعى يتمايل رأسها مع صوت المزمار.
هناك أيضا تتزين المطاعم بأضواء الشموع، وتمارس بائعات هوى مهنتهن بكل حرية، فيتعلم المراهقون فن الغزل و”البيع والشراء” وأحيانا التحرش الجنسي، ويتنافس مغامرون في السياقة للتباهي ويتجنب السياح الضجيج بالغوص بعيدا في الشاطئ المظلم. نهار أكادير ليس مثل ليلها، فلكل أسراره ونكهته، تتعدد مع توالي الفصول لكن “فونتي” تخفي كنوزها، ولا تبوح بجاذبياتها إلا للمتيمين بعشقها… هي هكذا.

خالد العطاوي (موفد الصباح إلى أكادير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق