سميرة سعيد حالة "موسيقية" نادرة أثبتت مكانتها في الموسيقى العربية في عالم تتغير فيه الأذواق الموسيقية بسرعة الضوء، تبقى سميرة سعيد حالة نادرة تستعصي على التكرار، ف"الديفا" المغربية، القادمة من ضفاف أبي رقراق إلى ضفاف النيل، صنعت لنفسها مكانة ثابتة في قلب الأغنية العربية، واضعة بصمتها على كل جيل عاش صوتها، وكل جيل آخر ولد ليجد أغانيها جزءا من ذاكرته الفنية. ومنذ ظهورها الأول في 1968، وحتى الآن، حافظت سميرة سعيد على حضور فني متقد لا يخفت، إذ أطلقت 46 ألبوما وأكثر من 500 أغنية، علما أنها ليست مجرد أرقام في أرشيف موسيقي، بل تاريخ حي لمسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن. وبقدر ما تسجل هذه الأرقام غزارة إنتاجها، فإنها تؤكد أيضا التزامها العميق بفن لا تعرف معه الكسل ولا الركود. ورغم أن القاهرة كانت محطة الاستقرار ومركز الانطلاق الأوسع لمسيرتها، فإن المغرب مازال يحتضن حنينا خاصا لـ"الديفا" التي حملت له المجد أينما ذهبت، والجمهور المغربي، شأنه شأن جمهور الوطن العربي كله، مازال يهتف "توحشناك"، عند كل ظهور لها أو غياب، وكأن وجودها الفني رابط وجداني لا ينقطع، فسميرة سعيد ليست مجرد صوت جميل، بل ظاهرة كسرت القوالب منذ بداياتها. ومن أغنيات السبعينات التي شكلت ملامح انطلاقتها، إلى محطات التجديد الجريئة التي وضعتها في مقدمة المشهد الغنائي الحديث، كانت دائما تقول إن "الفنان الذي لا يتغير… ينتهي"، وهي فلسفة لم تكن شعارا، بل منهج حياة. أغانيها الخالدة مثل "قال جاني بعد يومين" (1981) و"يوم ورا يوم" (2002)، ليست مجرد نجاحات عابرة، بل محطات صنعت ذاكرة عابرة للأجيال، واليوم، يغنيها الشباب الذين لم يولدوا عند صدورها، دليلا يثبت أن سعيد لم تحتفظ بمكانها في القمة بذكريات الماضي، بل بمنطق التحديث المستمر والبحث الدائم عما هو جديد. ولعل أكثر محطات مسيرتها جرأة كانت في 2009، حين قررت التوقف عن العمل لمدة ست سنوات، إذ بدا قرارها غريبا في وقت كانت فيه في ذروة النجاح، لكنه لم يكن خطوة تراجع، بل إعادة تموضع ذكية، ففي تلك السنوات درست "الديفا" تحولات السوق الموسيقية، وسلوكات الجمهور الجديد، والتقنيات الرقمية التي كانت تعيد رسم شكل الصناعة. وعندما عادت في 2015 بألبوم "عايزة أعيش"، لم تكن العودة عادية، بل كانت انطلاقة ثانية توجت بجائزة "الموريكس دور" كأفضل ألبوم للعام، دليلا على أن التوقف المدروس، حين يدار بعقلية فنان يعرف ما يريد، يتحول إلى دفعة نحو مستقبل أكثر إشراقا. خالد العطاوي