بقلم: يونس مجاهد عند انتشار الأنترنيت، حصلت تداعيات سلبية على ما يسمى الصحافة التقليدية، خاصة على الصحافة الورقية، التي وجدت نفسها أمام تحد كبير، يتمثل في ظهور منافس قوي، يتمثل في الصحافة الإلكترونية، أدى إلى إغلاق صحف أو التخفيض من عدد صحافييها. غير أن التحول الأكبر الذي حدث، هو الذي أخذ يتجلى تدريجيا، عندما بينت التجربة أن انتشار الأنترنيت، لم يؤد حتما إلى تطور حرية التعبير، بل على العكس من ذلك، فقد تراجعت الديمقراطية، عبر العالم، وساعدت تكنولوجيات التواصل الحديثة على تنامي التيارات اليمينية والشعبوية والإرهابية... كما كرست هذه التكنولوجيات انتشار التفاهة والسطحية، على مواقع التواصل الاجتماعي، وبصفة عامة فقد أصبحت تشكل خطرا على وعي الشعوب. غير أن التحدي الجديد الذي يغزو العالم اليوم، هو الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي قال عنه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إنه بينما يعد بآفاق هائلة، إلا أن "استغلاله لأغراض سياسية أو اقتصادية يمكن أن يتلاعب بالرأي العام ويشوهه ويحرف الانتباه". وحذر في تصريح نشرته وكالة الأنباء الفرنسية، أنه "بدون ضمانات وأنظمة مناسبة، فإن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على التحول إلى وحش فرانكنشتاين في العصر الحديث... وأنه إذا لم يتم تقييد هذه السلطة بالقانون، فقد تؤدي إلى إساءة الاستخدام والاستعباد، خاصة أن النموذج الاقتصادي الحالي لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي يغذي بالفعل الاستقطاب والتطرف والإقصاء". إن حملات التشهير وبث الإشاعات وغيرها من وسائل التضليل والدعايات الكاذبة وخداع العقول، كانت تحتاج إلى مجهود واجتهاد بشري وإتقان ومثابرة، أما مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تغيرت المعادلة، حيث أصبح بوسع أي شخص، من خلف شاشته، أن ينتج خلال دقائق معدودة، نصوصا لا تقل إتقانا عن كتابات المحترفين، ويصنع صورا ومقاطع فيديو مبدعة، ويولد أصواتا تطابق الأصل. كل هذا ينتشر، اليوم، عبر فضاء الإنترنت في أرجاء المعمورة، بتكلفة زهيدة، وبلا قيود أو حدود. لقد انتقل العالم من وضع كان فيه خداع الجمهور يحتاج فيه إلى إمكانات ومجهود لا يستهان بهما، إلى عصر قد تصبح فيه أدوات التضليل في متناول أشخاص وجماعات، هدفها العبث بوعي الناس، والتأثير السيء على توجهاتهم واختياراتهم، وقتل العقل النقدي، بإغراق فضاءات التواصل بالأكاذيب والإشاعات والصور الخادعة. لذلك اعتبرت العديد من الدول، أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، قد يصبح خطرا على الديمقراطية، لأن استغلاله من قبل المجموعات المعادية لحقوق الإنسان وللاختيارات الديمقراطية سيكون أقوى، مما دفعها إلى اعتماد برامج لحماية الديمقراطية من هذه الأخطار، غير أن قدراتها تظل محدودة أمام قوة المنصات العالمية الكبرى، التي تحتكر هذا المجال، وتتوفر على إمكانات هائلة وطاقات ضخمة، تتجاوز إمكانات الدول. فبالإضافة إلى استغلالها للمعطيات الشخصية، على الصعيد العالمي، الأمر الذي يمنحها القدرة على التحكم في هذه المعطيات وتوظيفها، لمصالح سياسية واقتصادية، فإنها تتعامل مع متطلبات الديمقراطية وحقوق الإنسان، من منطلقات تجارية بحتة، بدون اعتبار لأية مبادئ، سوى مبادئ الربح والميركانتيلية. ولحد الآن ترفض هذه المنصات العالمية الكبرى، وضع قواعد وآليات لضمان الحد من استغلال هذه التكنولوجية المتقدمة، من قبل التيارات العنصرية والمتطرفة وقوى الرأسمالية المتوحشة، التي تجد فيها أفضل وسيلة لترويج أفكارها ودعاياتها، المبنية على الخداع والتضليل، لذلك لم يعد من المحرج أن تطرح اليوم، شعارات، من قبل قوى ديمقراطية، بهدف وضع قوانين جديدة، لتأطير استعمالات الذكاء الاصطناعي، الذي من المحتمل جدا أن يصبح الأداة الرئيسية في أيدي القوى التي تسعى إلى تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان.