نحو إعادة بناء الثقة وترسيخ المسار الديمقراطي بقلم: الدكتور خالد الشرقاوي السموني(*) تمر بلادنا بمرحلة حساسة من تطور تجربتها الديمقراطية، إذ تتزايد التحديات المرتبطة بالثقة في المؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل ما عرفته الولاية التشريعية الحالية من ارتفاع عدد المتابعات القضائية التي طالت عددا مهما من البرلمانيين والمنتخبين الجماعيين. وفي سياق الاستعداد للانتخابات البرلمانية والبلدية المقبلة، برزت إرادة سياسية واضحة تتجه نحو إعادة تأهيل البيئة الانتخابية وتخليق الحياة السياسية عبر إصلاحات تشريعية. ويأتي تقديم وزير الداخلية لمشروع قانون جديد لتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب محطة محورية في هذا المسار، إذ يهدف إلى تطوير العملية السياسية وتعزيز الشفافية، مع الاستجابة للتحولات الاجتماعية والتطلعات الشبابية الرافضة للفساد السياسي. أزمة الثقة محفز للإصلاح بلغت الثقة في المؤسسات السياسية بالمغرب – وعلى رأسها البرلمان والحكومة والأحزاب – مستويات مقلقة للغاية، حيث يعبر المواطنون عن عدم رضاهم عن أداء السياسيين، معتبرين أن جزءا منهم تورط في ممارسات أضرت بسمعة العمل السياسي وأضعفت مصداقيته. وتمثل هذه الأزمة خطرا مباشرا على المسار الديمقراطي، إذ أن ضعف الثقة يمس جوهر العملية التمثيلية ويؤثر على المشاركة السياسية، خاصة في صفوف الشباب. ولم تكن هذه الأزمة نظرية أو محصورة في الخطاب السياسي، بل تعززت بأرقام رسمية تكشف عن حجم غير مسبوق من الخروقات. ففي مجلس النواب وحده، تم تجريد حوالي 29 نائبا من عضويتهم من قبل المحكمة الدستورية خلال الولاية الحالية، فيما يتابع حوالي 26 نائبا آخرين في قضايا فساد أو تبديد المال العام، بعضهم صدرت في حقه أحكام قضائية بالإدانة. وعلى مستوى الجماعات الترابية، أكثر من 300 منتخب جماعي أحيلوا على القضاء سنة 2025 (من بينهم رؤساء جماعات)، بزيادة كبيرة مقارنة بالسنة الماضية. هذا الوضع المثير يظهر خللا عميقا في العملية السياسية والانتخابية ويستدعي ضرورة ضبط شروط الأهلية والترشح وتفعيل آليات المحاسبة. الإرادة السياسية والصرامة في مكافحة الفساد برزت في السنوات الأخيرة مؤشرات إيجابية على وجود إرادة ملكية واضحة لدى العاهل المغربي للحد من مظاهر الفساد التي أضحت تعرقل التنمية وتشوه صورة المؤسسات التمثيلية. وقد جاءت التوجيهات الملكية بضرورة إعداد منظومة انتخابية جديدة وفتح مشاورات سياسية واسعة لتؤكد الاتجاه نحو إصلاح جذري، وليس مجرد إجراءات تقنية معزولة. والجدير بالإشارة إلى أن السلطات العمومية أبدت صرامة غير مسبوقة في ملاحقة المنتخبين المتورطين في جرائم، سواء على مستوى البرلمان أو الجماعات الترابية، في خطوة تعكس انتقالا نوعيا من منطق التساهل السياسي إلى منطق وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويعتبر هذا التحول ضروريا لتهيئة بيئة سياسية سليمة، لأن غياب عنصر المساءلة كان من أهم أسباب تراكم الفساد السياسي والانتخابي في السنوات الماضية. مشروع قانون جديد لتخليق العملية الانتخابية يمثل مشروع القانون بتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب إحدى أهم حلقات الإصلاح التشريعي والمؤسساتي، إذ لا يستهدف فقط ضبط العملية الانتخابية، بل يروم في جوهره إعادة بناء الثقة بين المواطنين وممثليهم في المؤسسات المنتخبة من خلال مقاربة تقوم على الشفافية والمساءلة. ويتضمن المشروع ضبط شروط الترشح والأهلية وتشديد العقوبات وتجريم ممارسات انتخابية خطيرة، من خلال سن مجموعة من الضوابط القانونية الرادعة، أهمها: منع ترشح كل شخص ضُبط متلبسا بارتكاب جرائم انتخابية ومالية، وإسقاط الأهلية الانتخابية عن كل من صدر في حقه حكم قضائي نهائي بالإدانة، ومنع ترشيح الأشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام ابتدائية في جناية، وحرمان كل شخص سبق عزله من مهمة انتدابية من الترشح مجددا. هذه التدابير ستقطع لا محالة مع ظاهرة "المنتخبين المدانين قضائيا" الذين كانوا يستغلون وضعهم السياسي للتهرب من المسؤولية. كما يقترح المشروع رفع العقوبات السجنية والغرامات الخاصة بالجرائم الانتخابية إلى الضعف، مع إدراج جرائم جديدة ضمن خانة الجنايات، وهي إجراءات تهدف إلى حماية المؤسسة التشريعية من الانحرافات السلوكية والأخلاقية وإعادة الاعتبار لها. فضلا عن ذلك، من أبرز مستجدات الإصلاح التشريعي إلزام الأحزاب والمترشحين بإحالة تقاريرهم المالية على المجلس الأعلى للحسابات، في خطوة ترمي إلى ضبط شفافية التمويل السياسي والحد من استعمال المال غير المشروع في الحملات الانتخابية وتعزيز ثقافة الحكامة المالية داخل الأحزاب. تجديد النخب وإعادة الاعتبار للمؤسسات تُظهر دينامية الإصلاح أن الهدف ليس فقط معاقبة الفاسدين، بل خلق شروط لبروز نخب جديدة قادرة على ممارسة السياسة بنزاهة وكفاءة. فقد تشكل النخب السياسية المتورطة في قضايا الفساد عبئا كبيرا على صورة بلدنا في الخارج، الذي يخطو خطوات نحو إرساء نظام ديموقراطي متين، كما تضعف قدرته على اجتذاب الاستثمارات وتعزيز موقعه السياسي في صفوف الدول المتقدمة، خاصة أن تلك الدينامية في الإصلاح التي تنوي الدولة تنفيذها، وفق إستراتيجية جديدة، تأتي في وقت برزت فيه تعبيرات شبابية، عبرت بوضوح عن رفضها لأي تساهل مع الفساد. هذه الفئة تُعد قوة اجتماعية صاعدة تطالب بالشفافية والمحاسبة وترفض استمرارية الفساد السياسي، مع القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر جدية وشمولا. لذلك، أصبحت الحاجة ملحة لإفراز جيل جديد من الكفاءات السياسية والإدارية، أكثر قدرة على تحمل المسؤولية في ظل السياق الدولي الذي يتطور بشكل سريع بفعل المعرفة والتكنولوجيات الجديدة والمنافسة الشديدة بين الدول على عوامل النمو والاستثمار. التخليق كمدخل لإعادة بناء الثقة في المؤسسات إن تخليق الحياة السياسية ليس خيارا ظرفيا، أو محاولة إسكات مؤقت لأصوات شعبية، بل هو ضرورة إستراتيجية لضمان أمن واستقرار البلاد واستمرارية مسار التنمية المستدامة. فالثقة في المؤسسات السياسية والمنتخبة هي ركيزة كل نظام ديمقراطي. ومن دونها، تضعف الممارسة السياسية وتترسخ لدى المواطنين قناعة بعدم جدوى التغيير عبر المؤسسات. ولذلك، فإن الإصلاح، المدعوم بإرادة سياسية حقيقية وفعلية، من شأنه توفير ضمانات قانونية ومؤسساتية تعيد الاعتبار للعمل الانتدابي، وجعل البرلمان مؤسسة تمثيلية حقيقية تُمارس وظيفتها التشريعية والرقابية على أحسن وجه، وإرساء قواعد جديدة للعمل السياسي قائمة على النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبناء ديمقراطية متينة قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ومواجهة تحديات المستقبل.. (*) أستاذ القانون الدستوري