ابن عاصمة النخيل الذي زرع البهجة في الأغنية المغربية في كل مرة يتجدد فيها الاحتفاء بعيد المسيرة الخضراء، لا يمكن أن تمر هذه الذكرى دون أن تنمحي من ذهن الكثيرين صورة مغاربة المسيرة بأعلامهم الوطنية يقاومون غبار رمال الصحراء المحملة برياح نونبر. ولن يكتمل بهاء هذه الصورة إلا على نغمات أغنية "نداء الحسن" بنغمتي النهاوند والحجاز المتجاورتين فيها، على نحو جعل لحن تلك الأغنية مترسخا في أذهان جل المغاربة بفضل إصرار وسائل الإعلام المغربية على بثها في كل ذكرى تتجدد للمسيرة الخضراء. لكن قلة من تعرف أن من صاغ اللحن البديع لرائعة "نداء الحسن" ملحن بهجاوي اسمه عبد الله عصامي، بعد أن حركته الكلمات التي صاغها الزجال فتح الله المغاري والتي تجسد الحماس الذي اعترى المغاربة وهم يتأهبون للقيام بمسيرة خضراء لاسترجاع الأقاليم الصحراوية الخاضعة للانتداب الإسباني. اسم عبد الله عصامي ظهر في المشهد الغنائي المغربي خلال مطلع الستينات ملحنا ومطربا، قادما من مراكش عاصمة البهجة والنخيل، مشبعا بما تلقاه وسط أزقتها ودروبها من أهازيج وإيقاعات. يعتبر عصامي كذلك من أبرز العازفين المهرة على آلة العود، بفضل توجيهات الشيخ الطاهر أمنزو، ودفعه تملكه لهذه الآلة إلى ولوج مجال الغناء والتلحين من أوسع الأبواب، إذ بدأه بتأسيس فرقة موسيقية ضمت مجموعة من الأسماء التي أصبح لها شأن في ما بعد منها الحبيب الشراف عازف الكونترباس وصاحب الأغنية الشهيرة "واش قضيتو يا الحساد" وكذا الملحن عبد الرفيق الشنكيطي صاحب لحن "جا ف الميعاد" الذي غناه عبد المنعم الجامعي ثم أعضاء آخرون مثل محمد عصامي وعمر بلمختار ومحمد شقيق. ويرجع الفضل في اكتشاف عبد الله عصامي ملحنا إلى الإعلامي الرائد أحمد ريان الذي كان رئيسا لقسم الموسيقى بالإذاعة الوطنية، وأعجب بلحن عصامي لأغنية "كذبت نفسي" التي كتب كلماتها محمد حسن الجندي وغناها عبد الوهاب الدكالي وسجلها مع جوق "المتنوعات"، الذي كان يرأسه محمد بنعبد السلام، ومن هنا كانت انطلاقته الحقيقية التي واصلها بتسجيل قطعة "سارية الفجر" ثم "شكون يجيب لي خبارو" بصوته الذي كان صالحا للغناء بشهادة العديدين، كما تثبته بعض القطع المسجلة والمحفوظة لحد الآن. ولم يكتف عصامي بهذا النجاح الأولي بل التحق بالمعهد الموسيقي رغم أنه كان يجيد العزف والتلحين، وتلقى دروسا هناك في الصولفيج والهارموني والكونتربوان لدرجة أنه حصل على الوسام في هذه المجالات، إضافة إلى مهارته وتحكمه في العزف على آلة العود. وخلال مرحلة السبعينات أغنى عصامي خزانة الأغنية بالعديد من الألحان منها "الله يكمل رجاك" لفتح الله المغاري و"كيفاش تلاقينا" لسميرة بنسعيد و"أحلى صورة" لنعيمة سميح و"غاب القمر" لإسماعيل أحمد. في 1990 تولى عبد الله عصامي رئاسة جوق إذاعة الدار البيضاء خلفا للفنان إبراهيم العلمي، لمدة خمس سنوات، قبل أن يتفرغ لتدريس مادتي الهارموني والعود بالمعهد الموسيقي بالدار البيضاء والرباط. عزيز المجدوب