بقلم: ذ. كمال الهشومي (*) في زمنٍ تسارع فيه الدولة المغربية إلى تثبيت أسس العمل والاجتهاد قصد تحقيق تنمية واسعة وشاملة، يتضح جليا حجم الرهانات والتحديات التي أعدت نفسها لمواجهتها وربحها. فقد تميزت السنوات الأخيرة بمشاريع ضخمة وبنيات تحتية هائلة، وبميزانيات لم يسبق لها مثيل، لتقديم صورة جمالية حديثة للدولة ولإبرازها كفاعل دولي يسعى إلى المنافسة والتموقع في الواجهة العالمية. نحن جميعًا مع هذا النهج، ومع هذا الهدف، ونعتز بالمنجزات المادية التي تحققها بلادنا. لكن مفهوم التنمية المستدامة لا يقوم على البنية التحتية وحدها، بل على تكامل الأطراف التي تصنع التنمية، وأهمّها بلا شك العنصر البشري. فالمستفيد من هذه الإنجازات، والمدبّر لاستدامتها، والحافظ لرونقها، هو الإنسان ذاته. ومن غير المنطقي أن نُعطي الأولوية للمشاريع المادية، دون أن نولي القدر نفسه من الاهتمام بتأهيل العقول التي ستديرها. إنّ إغفال العنصر البشري يُعد خطأ قاتلا، لأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان وتنتهي به. فالمشاريع مهما بلغت قيمتها تحتاج دومًا إلى من يحافظ عليها. ولعل الصورة التي تابعناها جميعًا بعد إحدى المباريات في المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط تجسد ذلك بوضوح. حيث اقتحم بعض المشجعين الملعب وخربوا العشب الطبيعي، غير مدركين أن تصرفا عابرا من هذا القبيل يلحق ضررا جسيمًا بمنشأة عالمية. كان يمكن للوعي البشري أن يَحُول دون هذا السلوك، أكثر من أي جدار إسمنتي أو حاجز أمني. وهو الدرس البليغ الذي يؤكد لنا أن البنية التحتية مهما بلغت جودتها، إن لم تُصن بوعي الإنسان، ستبقى هشة ومعرّضة للتبديد. ومن جهة أخرى فإن التجارب الدولية تعزّز هذه الحقيقة. فاليابان مثلا بعد الحرب العالمية الثانية، رغم الدمار الكامل وغياب الثروات الطبيعية، اختارت الاستثمار في التعليم والتأهيل المهني، فنهضت في ثلاثة عقود لتصبح قوة صناعية كبرى. والأمر نفسه ينطبق على كوريا الجنوبية، التي كان دخلها الفردي في الستينات أقل من الدخل في المغرب، لكنها ركزت على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، لتتحول اليوم إلى أحد أكبر الاقتصادات العالمية. وفي المقابل، نجد دولًا انشغلت بالمشاريع المادية دون العنصر البشري، فبقيت إنجازاتها أشبه بـ "جسور بلا عابرين". أما ماليزيا فقدمت نموذجا متوازنا، حيث جمعت بين تشييد المصانع وتكوين العمال والمهندسين، فصنعت تنمية راسخة قوامها الإنسان. في المغرب، برزت مبادرات مهمّة في هذا السياق، خاصة بعد تقرير الخمسينية ومع إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2005)، ثم أخيرا النموذج التنموي الجديد والتي أكدت كلها أن مواجهة الفقر والهشاشة تبدأ من الاستثمار في الإنسان. غير أن التحدي الكبير ما يزال قائمًا في جعل التعليم الجيد، والصحة المتينة، وسوق الشغل العادل ركائز أساسية لهذا الورش. وبناء عليه فإن الخلاصة واضحة: التنوير بالعلم، التكوين بالمهارات، والتأهيل للمواطنة والإبداع ليست شعارات، بل معادلة تاريخية مجرَّبة. وبمقدار ما نضع الإنسان في قلب التنمية، بمقدار ما نضمن أن كل مشروع وطني سيجد من يصونه ويثمنه. فالإنسان ليس مجرد أداة للتنمية، بل هو جوهرها، ومقياس نجاحها، وضمان استمراريتها. (*) أستاذ العلوم السياسية كلية الحقوق أكدال - الرباط