اختارت المزج بين الحداثة التكنولوجية والجذور الثقافية يواصل متحف المعدن للفن الأفريقي المعاصر بمراكش، في إطار برامجه الفنية والثقافية، احتفاءه بأسماء بارزة في الساحة التشكيلية المغربية والإفريقية، إذ يفتح أبوابه هذه المرة أمام تجربة الفنانة المغربية هبة بادو، التي تقدم معرضها الفردي الجديد تحت عنوان "بارابول، أوديسه هرتزية"، وذلك بتعاون وثيق مع المعهد الفرنسي بالمغرب بمراكش. ويشكل المعرض، الذي سيستمر إلى غاية 7 دجنبر المقبل، رحلة حسية وفكرية في عوالم الصورة، والذاكرة، والتأملات حول علاقتنا بالعالم المعاصر، خاصة في ظل التحولات التي فرضها الفضاء الرقمي وتداعياته على هويتنا الفردية والجماعية. ويأتي هذا المشروع الفني ليحول "غرفة الفنانين" داخل المتحف إلى مختبر تجريبي مفتوح على الرؤية والخيال. فمن خلال فيلم قصير، وصور فوتوغرافية، وخطوط كاليغرافية، وأعمال تركيبية متعددة الوسائط، تبني هبة بادو فضاء فنيا نابضا بالأسئلة، إذ تمتزج الذاكرة الشعبية بالتدفقات الرقمية، والإيماءات اليومية بالصور القادمة من عوالم بعيدة. وتظهر هذه الازدواجية من خلال أعمال تحول الأشياء العادية إلى وسائط استثنائية، إذ أن قدر الكسكس (الكسكاس) يصبح هوائيا يلتقط الموجات غير المرئية، فيما تتحول المنحوتات إلى أجهزة استقبال لإشارات من خارج نطاقنا الحسي. ويعالج المعرض بعمق كيفية تفكك المرجعيات العمودية التي كانت تربط الإنسان بالروح والذاكرة الجمعية، بفعل الأفقية المطلقة للعالم الرقمي "هنا يصبح البارابول (هوائي الاستقبال) أكثر من مجرد أداة تقنية، بل يتحوّل إلى رمز للتسامي المشوه، إذ يستقبل صورا وإشارات من خارج ثقافتنا ويعيد تشكيل وعينا بطريقة تذكر بما يشبه استعمارا رقميا لخصوصيتنا". ترفع هبة بادو الخيال، بهذا العمل، كأداة للمقاومة، في مواجهة الفيض غير المحدود من الصور والمعلومات الذي يطبع عصرنا، إذ أن المعرض ليس مجرد تجربة بصرية، بل هو رحلة شعرية تمنح الزوار فرصة إعادة التفكير في علاقتهم بالزمن والهوية، واستعادة القدرة على التخيل كفعل تحرّر وانعتاق. وفي سياق متصل، يؤكد متحف المعدن للفن الأفريقي المعاصر، باستضافة هذا الحدث، التزامه بجعل الفن المعاصر في متناول الجمهور الواسع، وتحويل فضاءاته إلى منصات للحوار بين التراث الثقافي والحداثة والقضايا العالمية التي تمسّ الإنسان اليوم. إيمان رضيف تتعليق: